الأحد، 1 مارس 2015

تأرجح الوجود الإنساني بين الحرية و الضرورة

  يبدو أن كل تأمل في الوجود الإنساني يكشف عن توتر و مفارقة تتلخص في الأزواج المفهومية التالية : الحرية/الضرورة أو التناهي/اللاتناهي أو الذاتي/الموضوعي ...يتجسد ذلك في هذا الشعور الذي يتملكنا بين الفينة و الأخرى، و يجعلنا نعتقد أننا نملك مصيرنا و نبني ذواتنا وتاريخنا و مجتمعنا بإرادتنا...فجأة - و على حين غرة - ننصت لصوت آت من بعيد، و كأنه يخاطبنا بنبرة حادة داعيا إيانا إلى التخلص من وهم الحرية، و الإلتفات صوب كل ما يحطم هذا "السراب" الذي خلقه الخطاب الفلسفي و الميتافيزيقي لغايات أخلاقية ربما ( إقرار المسؤولية الأخلاقية و القانونية ...)، أو استجابة لنرجسية ( متوهمة ) تسمو بنا فوق الموجودات الأخرى، و تثبت أفضليتنا مقارنة بها.
  ها نحن قد سقطنا في شرك الحيرة و القلق الذي تعمقه هذه الأبيات الشعرية لإيليا أبو ماضي، و التي تبرز ببساطة شفافة المفارقة التي أتينا على ذكرها : " هل أنا حر طليق أم أسير في قيود هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود" قد تتخذ الحرية الإنسانية صيغة إقرار ديكارتي إيجابي تسنده قناعة فلسفية راسخة قائمة على النظر إلى الإنسان كذات مفكرة واعية،وقد تتبدى على شكل مسلمة كانطية ضرورية لتأسيس الأخلاق، و يمكن اعتبارها كمبدأ معتزلي غايته نفي الظلم عن الذات الإلهية التي منحتنا حرية الإختيار، و التي تستوجب بالتالي تحمل المسؤولية. و ربما تتجسد هذه الحرية على شكل مطلب حقوقي حداثي بدونه لا يستقيم بناء الدولة المدنية الحديثة، أو على هيئة إجماع عالمي يتصدر المبادئ الأولى للإعلان العالمي لحقوق الإنسان ( الذي يعتبر ثمرة تلاقح أنساق فكرية حداثية ليبرالية و اشتراكية...). و يذهب البعض أبعد من ذلك مبرزا أن تطور العلوم المعاصرة يجعل الوعي بالحتميات الطبيعية سبيلا للتغلب عليها أو على الأقل فتح الطريق لمناورتها أو استثمارها ( و تلك حالة الهندسة الوراثية التي مكنت الإنسان من التدخل لتغيير "القدر الوراثي" على سبيل المثال ).
   لقد تشبتت تيارات فلسفية برفض نتائج العلوم الإنسانية التي عملت على تصوير الإنسان كريشة في مهب رياح الإكراهات و البنيات و القوى الخفية، فأكدت بالمقابل أسبقية الوجود على الماهية ( سارتر ) و قدرة الشخص على الإبداع الذاتي في حركة شخصنة لا تتوقف ( الشخصانية )، و يمكن لمفاهيم الذات الفاعلة ( آلان ) أو الديمومة ( برغسون )أن تسعفنا في تدعيم هذا الطرح... هذه الأصوات التي استمعنا إليها – و إن اختلفت منظوراتها و منطلقاتها – تتقاطع في تمجيد الحرية الإنسانية.
   لكن مرة أخرى يطالعنا ذلك الصوت "المزعج" الذي يعيدنا إلى مملكة الضرورة و التناهي، و الذي يكشف خضوعنا لإكراهات موضوعية،تختلف مسمياتها و أسسها، لكنها تلتقي في "تعريتنا" أمام ذواتنا، و سلب الذات الإنسانية أعز ما تملك : الحرية . يصرخ الصوت "المزعج" بملئ حنجرته قائلا : أنت ( أيها الإنسان ) لست إلا مجرد ممثل على خشبة المسرح في "مسرحية" تولى إخراجها القدر ( الجبرية في الفكر الإسلامي و المدرسة الرواقية )، أو ألفها التاريخ بمكر (هيجل) أو سهرت على تأثيتها بنيات مادية أو ثقافية ( البنيويون ) أو تمسك بخيوطها غريزة قوية ( نيتشه ) أو إرادة حياة عمياء ( شوبنهاور ) ، أو توجهها من وراء الكواليس دوافع لا شعورية ( التحليل النفسي )...تتعدد المسميات و يتوحد الصوت، و قد يتسربل برداء لاهوتي أو فلسفي أو علمي أو أسطوري كذلك، فينكأ جراحا نرجسية تفضي في أقصى أشكالها إلى القول ب "موت الإنسان" في فلسفة "جنائزية"، ما تلبث أن تذكرنا بتناهينا الأنطولوجي ( الموت ).
  فكيف السبيل إلى الخروج من هذا المأزق/الورطة ؟ يقترح البعض ضرورة نحت مفاهيم تشكل طريقا وسطا وتقرب وجهتي النظر السالفتي الذكر من خلال الحديث عن الحرية النسبية و الحرية المشروطة أو المسؤولة، أو البين- ذاتية ( ميرلوبونتي )، أو نظرية الكسب ( في الفكر الإسلامي)...فهل هذه الرؤى تحل فعلا مشكلة الحرية، أم أنها لا تعدو أن تكون مجرد تعميق لتلك الإحراجات ؟هل ينبغي أن نغير الوجهة و السؤال فننظر إلى مسألة الحرية من زاوية سياسية محضة ( تستبعد ما هو لاهوتي و ميتافييزيقي ووجداني) في علاقتها بالأنظمة الديمقراطية أو الكليانية ( حنا آرندت ) ؟ قد يبدو هذا الأمر ناجعا إذ يخلصنا على الأقل من تلك الحيرة التي تتملكنا كلما حاولنا التساؤل بصدد وجودنا.
   لكن هل نستطيع فعلا الكف عن إثارة مثل هذه التساؤلات الوجودية ؟ أليست هذه هي "الضريبة " التي ينبغي أن نؤديها مقابل امتلاكنا القدرة على التساؤل و التفكير؟ ثم هل من حقنا أن نحسد الموجودات الأخرى  إذ حرمت نقمة/متعة التساؤل؟

أي مسقبل لشعار الإصلاح في ظل الإستقرار؟

وعياً منا بأهمية امتلاك الحس النقدي، في تناولنا كل الموضوعات، وبالتزامن مع ذكرى العرش، ومرور 15 عاماً على ما أطلق عليه "العهد الجديد"، نحاول أن ننجز وقفة نقدية. ونتوقف هنا عند هذا النعت الذي أطلق على فترة حكم الملك محمد السادس (العهد الجديد). فإلى أي حد يصح الحديث عن مغرب "العهد الجديد"؟ وما مدى مصداقية شعار "الإصلاح في ظل الاستقرار"، الذي صار عنواناً لمرحلة ما بعد الربيع العربي في المغرب؟ شهد المغرب خطوات إيجابية جعلت بعضهم يعتقد أن قطار الانتقال الديمقراطي انطلق من دون رجعة، في مقدمتها، تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة، مدونة الأسرة، السماح لوسائل الإعلام بالتطرق لموضوعات كانت تعتبر من المحرمات، وإطلاق مشاريع تنموية، مثل الميناء المتوسطي، ومشروع الطاقة الشمسية، ونظام التغطية الصحية (راميد)، والسعي إلى إصلاح نظام المقاصة... إلخ. يتضمن ذلك كله إصلاحاتٍ عديدة، قامت بها المؤسسة الملكية والحكومات المتعاقبة، لكن، ما لم نتساءل حول ما هو جوهري، سنظل مرددين القول الشائع "العالم زين"، والمغرب أجمل بلد في العالم، بل وسنعود القهقرى، وسنسمع عن أشباه الشعراء والفنانين والمثقفين الذين يتغنون ويطبلون للمنجزات والسياسات، بدل التفكير فيها، ومعها وضدها، ذلك أن التقدم رهين بالتفكير النقدي، لا بالتغني والتهليل. والسؤال الذي يمكن أن نسترشد به، حتى لا نسقط في التيه، ولا نقف عند القشور: هل أسهمت تلك الإصلاحات في انتقال المغرب إلى صف الدول الديمقراطية؟ أو على الأقل هل نسير في الاتجاه الذي سيوصلنا إلى الهدف المنشود، وهو مغرب العدالة والكرامة والديمقراطية؟ يعترف دستور 2011، قبل الواقع الذي نعيشه، بأن نظامنا السياسي لم يستطع التخلص بعد من عباءة الاستبداد، وأنه ما يزال متشبثاً بنظامٍ مغرق في التقليدية، وإن كان الخطاب الذي يوظفه، من مفاهيم ومقولات، يحيل إلى المعجم السياسي الحديث، من دون القطع، بالطبع، مع المعجم السياسي التقليدي، بل إننا شهدنا "ردة" على مستويات عدة، مع هبوب رياح الربيع العربي. فما هي تجليات ومؤشرات الاستمرار في التشبث بالنظام المخزني، واحتكار المال والسلطة؟ على المستوى الدستوري والسياسي: الإبقاء على المؤسسة الملكية فاعلاً رئيساً في الشأن العام، وتكريس ملكية تنفيذية، تمسك بزمام الأمور، رئاسة المجلس الوزاري، وإمارة المؤمنين، وتتولى رئاسة مجالس عليا، وتحتفظ بصلاحيات واسعة. علاوة على استمرار تحكم وزارة الداخلية في رسم ملامح الخريطة الانتخابية، بما يمنع من حصول أي من الأحزاب على نسبة تقيه شر التحالفات الهجينة. الأمر الذي يكرس السؤال عن جدوى الانتخابات، والأحزاب، ويدفع إلى الزهد في العمل السياسي والمشاركة في التصويت. أضف إلى ذلك عودة ظاهرة التكنوقراط في النسخة الثانية من حكومة العدالة والتنمية، ما يعني التنصل من مبدأ المحاسبة الانتخابية. وعلى المستوى الحقوقي: فشل تجربة المصالحة والإنصاف، إذ أسست "للعدالة العرجاء"، التي لم تقوَ على محاكمة المسؤولين عن سنوات "الجمر والرصاص". ثم استمرار استغلال قانون الإرهاب، وليست تجربة 2003 بعيدة عنا. بالإضافة إلى التقهقر في مجال حرية الصحافة، من اعتقال الصحافيين، وتغريم الصحف، والتضييق على الرأي الآخر، ومنع بعض الحريات الفردية والعامة، ومنع المظاهرات والوقفات الاحتجاجية وقمعها، كما حصل لحظة العفو عن مغتصب الأطفال دانييل، وكما يحصل مع العاطلين عن العمل، ولا ننسى نهج سياسة الانتقام من مناضلي 20 فبراير. على المستوى الاقتصادي: النموذج التنموي المغربي، ممثلاً في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والذي ما فتئت الدولة وأحزاب وجمعيات تتغنى به، عوض أن تطرحه لمشرحة النقد، تكسر على صخرة التقارير الدولية، وجديدها تقرير التنمية البشرية، الذي بوأنا المراتب المتأخرة وراء دول تشهد حروباً وأنصاف ثورات. ولعل مسلسل إفقار الفقراء وإثراء الأثرياء، وتعميق الفوارق الطبقية لا يحتاج إلى تقارير، إذ العين لا تخطئه في كل مكان. من دون أن نغفل استمرار اقتصاد الريع، واحتكار المشاريع، وهدر المال العام، باعتراف تقارير المجلس الأعلى للحسابات، ودع عنك استمرار مسلسل فشل، وإفشال المنظومة التعليمية، فتلك حكاية "أمر من المرارة". عطفاً على ما سلف ذكره، يتبين أننا نعيش فترة ينطبق عليها شعار "الإصلاح في ظل الاستبداد". أي الإصلاح الذي يستهدف تجميل وجه عجوز بلغت من الكبر عتيا، إنه الإصلاح الذي يقوم على مبادرات إيجابية، هنا وهناك، لكنه لا يمس جوهر النظام السياسي وطبيعته. فهل يعني ذلك أن نغلق الصندوق علينا بإحكام، فلا نترك فرصة لبزوغ الأمل في غد أفضل؟ الإجابة عن هذا السؤال تتجسد في مآلات الحراك الشعبي، والتحركات الهادفة للتغير الجذري، التي وإن بدا أن شمعتها انطفأت، فإن طموح العيش في مغرب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة سيعمل على إحيائها كفكرة، وكحركة. فما السبيل إلى ذلك؟

الضمير العالمي الخاسر في العدوان

http://www.alaraby.co.uk/opinion/ed389cb8-3386-4e40-8179-be6e09c47f2e

ملامح القراءة الدولوزية لفلسفة نيتشه ـ


مدخل عام :
قد لا نبالغ إن اعتبرنا الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه واحدا من أهرامات الفكر الفلسفي برمته. إذ استطاع أن يحدث ثورة في تاريخ الفلسفة، متوجها بنقده إلى مقولاتها ومفاهيمها وحقائقها، حيث كانت وسيلته إلى ذلك مطرقته، التي ترافقه أينما حل وارتحل، فوجهها صوب الميتافيزيقيا عامة والأفلاطونية خاصة. منطلقا من التشكيك في بداهاتها ومقولاتها، مفككا بنيتها، رافضا ثنائياتها، كاشفا وجهها التنميطي، معلنا ازدراءه لها، كونها تزييف وتشويه للحياة.                 
كان نيتشه، إذن، السباق إلى افتتاح أوراش كبرى، في مجال الفلسفة، ورش مجاوزة الميتافيزيقا. وهكذا توجه إلى قلب القيم، وإعادة النظر في أصولها وأسسها، وطرح قيمتها للنقاش. فوجدت الأخلاق نفسها أمام فيلسوف لا يتقن لعبة النفاق والتملق. بل أمام فيلسوف يجيد لعبة القاضي. فتراه يصب غضب نقده وتساؤلاته العميقة، حول الحقيقة، مشككا في أكثر العقائد رسوخا، موظفا في ذلك منهجه الجينيالوجي الرامي إلى كشف أصول كل ما نعتقد أن أصله سام وراق، والتساؤل بعد ذلك عن قيمته.
ولم يكن نيتشه يهدم فقط ، بل كان يبني أيضا ولكنه " كان يبني بعنف" كما أخبرنا بذلك أندريه جيد . لم تكن، إذن، رغبة الهدم هي التي تستبد بنيتشه فحسب، بل كانت حاضرة إلى جانب ذلك رغبة أعمق وأكثر جرأة ونبلا. إنها السعي إلى نشر أخلاق القوة والعطاء، وقيم اللعب والضحك، والفرح، والرقص على نغمات موسيقى فاغنر الشاب. فليس نيتشه فيلسوف المطرقة فحسب، وبعبارة أخرى إنه فيلسوف نلمس لديه روح الإبداع. إنها روح الشاعر والفنان، والعبقري بتعبير شوبنهاور.
عبقرية نيتشه تتجلى أيضا في موهبته الرائعة والمدهشة، والتي بفضلها يستطيع اختراق مكنونات الإنسان، والتعبير عنها في أسلوب شاعري قل نظيره. محدثا بذلك ثورة في الأسلوب الفلسفي، ومخرجا إياه من جفافه وصلابته، إلى الرهافة والشاعرية. فحطم بذلك الجدار الفاصل بين الأدب والفلسفة، وبين العاطفة والعقل ، موحدا وجامعا بينهما. فأنتج لنا ذلك كتاب "هكذا تكلم زرادشت"، الذي قال عنه أحد المفكرين الغربيين إنه " الإنجيل الخامس".
وبالرغم من كل ذلك، فإن نيتشه أثناء حياته، كان وحيدا، بل الأمر من ذلك أنه كان محروما في وقت معين من لقب "الفيلسوف". ولكن الحصار والرفض الذي يقابل به عادة كل مجدد وثائر على التقاليد والمعارف عليه. إن النبذ والإقصاء لم يستطع أن يصمد أمام قوة الفكر النيتشوي، لينفجر بذلك الديناميت النيتشوي، في القرن العشرين، والنصف الثاني منه خاصة، على يد مجموعة من الفلاسفة الفرنسيين، الذين نفضوا عن المؤلفات النيتشوية الغبار، فأعادوا لها الحياة، فكان لهم الفضل في إعادة الروح إلى الفلسفة النيتشوية، بقراءتها وتأويلها وتقديمها، وكان لنيتشه أيضا الفضل في فتح آفاق جديدة وعوالم أخرى لتفكيرهم، فاغتنت الفلسفة الفرنسية المعاصرة بنيتشه وهايدغر، صحبة العديد من الفلاسفة.
كل ذلك دفعنا إلى أن نحاول اكتشاف حضور نيتشه في الفلسفة الفرنسية، وأن نستجلي تأثيره عليها، وأن نتتبع أطيافه. فكيف أثر نيتشه في الفلسفة الفرنسية ؟ هل بجهازه المفاهيمي أم بآلياته الاختراقية، أم باستراتيجيته الجينيالوجية؟ هل يحضر كناقد للميتافيزيقا ومتجاوزا لها؟ أم يظهر أكثر كمحطم لأصنام طالما ظلت في برج عاجي، تنظر إليها العامة والخاصة، كتماثيل تستحق أن نؤلهها ؟ أم إن نيتشه كان ذلك الفيلسوف الذي طرح موضوعات جديدة، وأثار إشكالات لا عهد للفلسفة بها، وبأساليب كانت تحسب داخل دائرة الشعر والأدب؟ وأخيرا كيف أفاد هؤلاء العمالقة؟ هل بتصوراته، أم بأسلوبه؟ أم بروحه المتمردة الجريئة، ونزعته التحطيمية؟. كيف يحضر ظل هذا الفيلسوف في مسار الفلسفة الفرنسية؟.
إن ما نطمح للقيام به هو أن نفتح حوارا - ولو خياليا - وديا، تسوده روح الصداقة والمحبة ، بين عمالقة الفلسفة الفرنسية، وبين هرم الفلسفة الألمانية نيتشه، نحاول من خلاله أن نصغي ونتأمل نقاشهم وأحاديثهم، حديث أرواح الفلسفات، إن صح التعبير. تحذونا الرغبة في أن نكتشف السر النيتشوي الكامن لدى هؤلاء العمالقة، و إذا كنا قد ركزنا في مقال سابق على محاولة استجلاء  التأثير النيتشوي في فكر فوكو ( أضواء حول صدى نيتشه في فكر فوكو) فإننا سنحاول الآن إلقاء بعض الضوء حول القراءة الدولوزية لفلسفة نيتشه، لنرسم أهم ملامحها.


1 -  صورة نيتشه لدى دولوز

برز الفيلسوف الفرنسي "جيل دولوز" Gilles Deleuze، أواسط القرن العشرين كمفكر ذو أهمية كبرى، انكب على دراسة وتأويل وتقديم فلاسفة كبار، ككانط وهيوم وبرغسون واسبينوزا وفوكو ونيتشه وآخرين. لقد كان يقدم هؤلاء الفلاسفة في حلل جديدة تبرز دقة نظره وقدرته على النفاذ إلى عمق فلسفاتهم. فبدأ مشواره كمؤرخ للفلسفة، بيد أن تأريخه ذلك لم يكن تسجيلا أو استظهارا حرفيا للفلسفات، بل كان تفسيرا وتأويلا يقدم فيه مقاربات جديدة وفريدة. وواصل مسيرته في كتبه الرئيسية "التكرار واختلاف" و"منطق المعنى " و"أوديب مضادا" بالاشتراك مع زميله غتاري Flix Guettari، إضافة إلى عملهما المشترك أيضا، وهو مؤلف "ما هي الفلسفة" (ومؤلفات ومقالات عدة). هذا الأخير، الذي ينيط بالفلسفة مهمة فريدة ومتفردة، ألا وهي "إبداع ونحت المفاهيم"، التي ستمكن الفكر الفلسفي من أن يحيا مطولا، مادام خزان المفاهيم لا ينفذ.
سبق أن تمت الإشارة أن دولوز قدم دراسة مطولة عن "فيلسوف المطرقة". ولذلك يدفعنا الفضول إلى محاولة استكشاف نيتشه رفقة دولوز. فكيف يقدم هذا الأخير "فيلسوف الأعماق"؟ بأي شكل يحضر لديه؟، هل كناقد للميتافيزيقا، أم كفيلسوف القيم، أم هو القائل بالعود الأبدي والإنسان الأسمى؟ أم هو كل ذلك ؟ وبعبارة أخرى ما هي القسمات الكبرى للوحة التي يرسمها دولوز لفيلسوف المطرقة؟
            أ- نيتشه ناقد القيم والعدمية :
يستهل دولوز كتابه "نيتشه والفلسفة"، بالتأكيد على أن الإسهام الأكبر لنيتشه في المجال الفلسفي كان هو إدخاله لمقولتي "المعنى" و"القيمة"، إلى الفلسفة، وقد يخطر ببالنا أن الفلسفة قبل نيتشه كانت تفكر في القيم، بل إن هذه الأخيرة تعتبر مبحثا من مباحثها الثلاثة، حسب التقسيم الكلاسيكي للفلسفة (مبحث الوجود ، مبحث المعرفة ، مبحث القيم). وإذ ذاك سيوقفنا دولوز ليؤكد لنا أن ما يقصده، هو كون فيلسوف المطرقة، أول من تساءل عن قيمة القيم. إنه السباق إلى طرح مسألة القيم للنقاش، على نحو وبطرق مختلفة ومتفردة.
وفي كتابه "جينيالوجيا الأخلاق"، يؤكد نيتشه هذا الأمر، وفي هذا الصدد يصرح بأننا "في حاجة إلى نقد القيم الأخلاقية، يجب أن نصل إلى وضع قيمة هذه القيم موضع تساؤل، هنا تنقصنا معرفة شروط وظروف ظهورها وتطورها وتغيرها"[1].   وهذه هي الجينيالوجيا النيتشوية، التي يشرحها دولوز على أنها بحث في "قيمة الأصل وأصل القيم في الوقت ذاته"[2].
تتيح لنا هذه الجينيالوجيا[3] الوقوف على "كواليس صنع القيم"- إن صح التعبير- التي يوضح لنا دولوز أنها غير منفصلة عن لعبة صراع القوى والإرادات والتأويلات.
فهدف الجينيالوجيا هو ضرب الأساس الميتافيزيقي للقيم، بإثبات خلوها من معنى في ذاتها، وبأننا نحن من يضفي عليها هذا المعنى و هاته القيمة.


ب - نيتشه عدو أخلاق العبيد:

وفي الكتاب السالف الذكر لنيتشه[4] يؤكد أن التاريخ تجسيد لصراع تقييمين أخلاقيين متباينين هما: أخلاق السادة بكل ما تتميز به من اندفاع وقوة وتلقائية وغريزية، وتقدير للجسد وإعلاء من شأن الحياة ومظاهر الجمال فيها. و بالمقابل أخلاق العبيد، بكل ما تتسم به من ارتداد وضعف وخنوع، وحط من قيمة الجسد والحياة. وتمجيد حياة الزهد والضعف، التي يرى نيتشه أن ما يكمن وراءها هو الحقد والنفاق والجبن.
يؤكد دولوز أن نيتشه يوجه سهام نقده اللاذع نحو قيم العبد أو الإنسان الخنوع، لكونه قد اكتشف أن ما يحرك تلك القيم هي "قوى ارتكاسية"، هاته الأخيرة، التي يعسر تمييزها عن مقابلها، أي "القوى الفاعلة" (خصص دولوز حيزا كبيرا من كتابه "نيتشه والفلسفة" لتحليل مفهوم القوى لدى نيتشه، وتوصيف القوى الفاعلة و الارتكاسية، خاصة في الفصل الثاني)، إلا أنه يمكن القول إن الأولى تتصف بكونها تقوم على رد الفعل أي أنها استجابة أكثر منها فعل. وحتى انتصار هاته القوى فهو لا يتم لكونها أقوى وأكثر فعلا، بل إن قوتها –كما يؤكد دولوز- تكمن في ضعف الآخر، ويتم لها ذلك بفصل القوى الفاعلة عن قوتها، وعلى خلاف ذلك تتميز القوى الفاعلة بالاندفاع والمرونة والفعل. وباختصار يمكن القول إن منطق القوى الارتكاسية هو الدفاع، في حين تعمل القوى الفاعلة بمنطق هجومي.
بيد أن عمل هاته القوى (الارتكاسية والفاعلة) لا يتم من فراغ، وبالأحرى من تلقاء ذاتها، فلابد من وجود عنصر ما يحركها ويوجهها. تلك هي "إرادة القوة"، التي يعرفها دولوز على أنها "مكمل للقوة وإسناد لها". إن إرادة القوة هي العنصر الإرادي في القوة، ولها خاصيتان: النفي والإثبات.
تعمل القوى الارتكاسية بإيعاز من إرادة القوة النافية، فهي تنفي القوى الفاعلة وقيمها. وتعمل على إقصاء الاختلاف، وتتوجه نحو القيم لقلبها، وإذ ذاك تصبح قيم العبد الارتكاسية كالجبن طيبوبة، وعدم القدرة على الفعل تعففا وترفعا. وبالمقابل ينظر إلى القوة على أنها شر، وإلى الإعلاء من قيمة الجسد على أنه شهوانية وحيوانية... وعلى النقيض من ذلك فالقوى الفاعلة توجهها إرادة قوة صفتها الإثبات. إثبات الذات أمام الآخر، وإثبات قيم الذات لا قلب قيم الآخر. يحلل دولوز نموذج "الإنسان الارتكاسي" (على ضوء "جينيالوجيا الأخلاق"، لنيتشه، خاصة الفصل الثاني منه) بتفصيل، فيؤكد أنه يتصف بصفتين هما: "الاضطغان"  و"الإحساس بالخطأ".


ج - الاضطغان تجل للعدمية :

يقدم دولوز الاضطغان (له علاقة بالانتقام) على أنه التأنيب والاتهام[5]. وهو آلية الكاهن اليهودي لخلق إنسان ارتكاسي مستسلم. ويؤكد فيلسوفنا على أنه لا ينبغي فهم هذا الاضطغان على أنه روح الانتقام، أو الرغبة فيه، بقدر ما يجب أن نفهمه على أنه الوسيلة، التي يتأتى بها للإنسان تحقيق انتقامه من الآخر الفاعل. وما يقوي رغبة الثأر، التي تستبد بإنسان الاضطغان هو كون آلية النسيان لا تشتغل لديه. أليست هذه الرغبة في الانتقام هي التي دفعت وتدفع العامة وسواد الناس إلى معاداة الفلسفة والفلاسفة؟،لا لشيء إلا لكونهم يكشفون للعامة، ما لا تستلطفه أذواقهم، التي تخشى كل ما يعبر عن نور العقل، وضياء الحكمة، ولا أدل على هذه المعاداة في مجتمعاتنا العربية، من المكانة، التي يحظى بها الفيلسوف والمشتغل بالفكر، أمام الفقهاء مثلا أو الأطباء، أو حتى السياسيين، ومن قبل كان "قدر الفلاسفة حزين لأن لغة الاستبداد قد أصابتهم وحولتهم من أحياء إلى أموات"[6]. فمتى ستحظى الفلسفة والفلاسفة بالمكانة، التي يستحقانها في مجتمعاتنا، التي تسودها الأمية، ومظاهر التخلف الثقافي والفكري؟
قلنا إن الإنسان الارتكاسي ينخفض لديه اشتغال آلية النسيان، وبالمقابل تتقوى لديه الذاكرة، وقد نتساءل ما أهمية الذاكرة والنسيان في تمييز الإنسان الفاعل عن الإنسان الارتكاسي؟
إن "دور ملكة النسيان الحيوية هو إقفال أبواب الوعي ونوافذه من حين لآخر "على حد تعبير نيتشه، أكثر من ذلك، فهو يرى أن السعادة لا يمكن أن تتحقق في غياب هذه الملكة، أي النسيان[7]. ولذلك نجد الإنسان الارتكاسي متجهما تعيسا، يأخذ الأمور على محمل الجد والعزم، في حين يتصرف الإنسان الفاعل بروح الخفة والمرح، حتى في لحظات الألم، إذ يعمل على نسيانه، ولا يعبأ بها، كي يفوت على الآخر (الارتكاسي) فرصة الاستمتاع بمشاهدته وهو يتألم. قوة الإنسان الفاعل، إذن، تكمن في قدرته على النسيان والتحمل. إن آلية النسيان هاته قد ترسخت إلى حد بعيد مع اليهودية، التي تنم قيمها-حسب نيتشه- عن حقد دفين لدى العبيد على الأسياد، حقد تتولد عنه قيم، تدعي كونها مفارقة ومتعالية ومحايدة. وذلك باختراع وهم العالم الميتافيزيائي (الإلهي) –كما يقول دولوز- والذي يتأتى معه للإنسان الارتكاسي كبح القوى الفعالة والنشيطة، باتهامها وتجريمها، باسم القيم الإلهية.


د- الإحساس بالخطأ تأنيب للحياة :

ومع ظهور المسيحية سيتغير شكل الاضطغان، ليصبح إحساسا بالخطأ، وشعورا بالذنب، يتغير الشكل فقط، ولكن الجوهر والهدف واحد، وهو تأنيب الحياة. وبينما كان الكاهن اليهودي يتهم الإنسان (هذه غلطتك)، يطور الكاهن المسيحي هاته المهمة، ليصير الإنسان ذاته مستبطنا لهذا الألم والذنب فيردد (نعم هذه غلطتي). وذلك لأن المسيحي يتحمل أوزار صلب المسيح، وكأنه دين في عنقه، (إذ المسيح في التصور المسيحي البولسي - نسبة إلى بولس، قد مات من أجل خلاص البشرية) يرده بمقدار ما ينكب على تأنيب نفسه ومعاقبتها. بل وحرمانها من الحياة أيضا.
في هذا السياق يعتبر دولوز أن "عظمة نيتشه تكمن في كونه عرف أن يعزل هاتين النبتتين، الاضطغان والإحساس بالخطأ"[8].
وعزل نيتشه لهاتين المقولتين –النبتتين، ينبغي النظر إليه، من باب سعي نيتشه المتواصل للقضاء على العدمية وكل ما يمثلها، أكثر من ذلك فنيتشه، في نظر دولوز، "يتصور هدف الفلسفة على أنه تحرير الفكر من العدمية وأشكالها"[9]. ويضيف قائلا: "إن كل قصة زرادشت إنما يعبر عنها في علاقاته بالعدمية"[10]. ويتضح هذا الأمر كثيرا في نقد نيتشه "للمثل الزهدي الأعلى"، الذي يمثل العدمية في أجلى صورها، ويتخذ هذا المثل الزهدي ثلاث صور رئيسة هي: الدين والمعرفة والفن.
*عدمية المثل الزهدي الأعلى :
يتحدد المثل الزهدي الأعلى لدى الكاهن، في تغييب الجسد، وذلك من خلال توجيه الدين اهتمامه نحو الروحانيات،على حساب الماديات، وكذلك ازدراء كل ما يمت للجسد والغريزة بصلة. واعتبار ذلك حطا من كرامة الإنسان، الذي ينبغي أن يتعالى ويستعلي عليه. وقد تطرقنا فيما سبق إلى آليات الكاهن في صنع الإنسان الارتكاسي العدمي (أي الاضطغان والإحساس بالخطأ).
و يعتبر دولوز أن "جينيالوجيا الأخلاق"، لنيتشه موجه بشكل أو بآخر "لنقد العقل النظري الخالص" لكانط، و"لفن الديالكتيك" أيضا.


*النقد الكانطي نقد لاهوتي :

يقيم دولوز مقارنة بين النقد النيتشوي والنقد الكانطي، فيرى أن هذا الأخير ظل قاصرا ومحدودا. ذلك أنه لم يشمل الأخلاق، إذ لم يناقش قيمتها وأصولها. وفي نقده للمعرفة اقتصر على الجانب غير الممكن منها، وكان حريا به أن يبدأ بنقد المعرفة الممكنة، ثم إن كانط يوجه نقده للعقل، ويجعله أداة هذا النقد في آن واحد. وهذا ما اعتبره دولوز تناقضا كانطيا. ليبرز بعد ذلك أن "المشروع الكانطي" (في المجال الأخلاقي) – بتعبيره- يؤله العقل والإدراك، في حين أن النقد النيتشوي انصب على القيم، وعرف كيف يخضع العقل لنقد حقيقي، بأداة خارجية عنه هي "إرادة القوة". كمبدأ خلاق ومبدع للقيم. ليؤكد أن "الجينيالوجي" (بخلاف المشرع الكانطي) مفسر ومقوم. فهو يوضح منشأ الأخلاق والقيم. ويكشف عنها الأقنعة؛ بإبراز القوى الكامنة وراءها. وبالتالي يعمل على نمذجة القيم، وتقييمها، تبعا لأي إرادة قوة تسيطر عليها، أي أهي إثباتية أم نافية؟ فإن كانت الأولى فهي قوى فاعلة،وإن كانت الثانية فهي قوى ارتكاسية.
وفي نهاية المطاف يصل دولوز إلى أن النقد الكانطي، لا يعدو أن يكون مجرد "لاهوت مجدد، اللاهوت ذي الميل البروتستانتي"[11]. مما يعني أنه تدعيم للفكر العدمي، الذي يناهضه نيتشه.


*عدمية الديالكتيك :

ركز دولوز في قراءته لنيتشه، على نقد هذا الأخير للديالكتيك الهيجلي. ذلك أن الفكر الديالكتيكي في نظره، ما هو إلا تجسيد لطريقة تفكير الإنسان الارتكاسي، الذي يوجهه مبدأ النفي. إذ يعتبر نيتشه أن منطلقنا لا ينبغي أن يكون النفي والتأنيب والإقصاء، بل أن يكون الإثبات، إثبات الذات وإثبات الاختلاف.
يضيف دولوز أن نقد نيتشه للديالكتيك ينصب على ثلاث نقط، تتمثل في جهله ل"المعنى والجوهر والتبدل". والمعنى –حسب دولوز- هو تلك الرابطة القائمة بين الشيء، وتلك القوة، التي تتستر وراءه، والتي تهيمن عليه. والديالكتيك يجهل المعنى، إذ لا يطرح سؤال القوى، التي تقف وراء الظواهر، والتي تضفي عليها المعنى. إذ نجد مثلا "موت المسيح كما فسره هيجل يعني المعارضة المتجاوزة، مصالحة النهائي واللانهائي، وحدة الله والفرد"[12]. في حين يرى نيتشه أن هذا الموت لا يعدو أن يكون وسيلة عجيبة لإذلال الحياة والإنسان المسيحي.
إن الديالكتيك يجهل الجوهر أيضا، لأنه لا يتوجه شطر القوى، خاصة شطر العنصر أو الطابع الذي يحركها. وأخيرا فهو يجهل التحول والتغير، إذ يقوم على إبداع تناقضات خيالية بتوظيف عبارات مجردة.
يتضح ما قلناه إن حاولنا التفكير في علاقة اليهودية بالمسيحية من منظور ديالكتيكي، آنذاك سنعتبر الحب المسيحي نفيا للحقد اليهودي. لكننا إن خرجنا من هذا المنظور الضيق، وتتبعنا الآليات النيتشوية في التحليل، فإننا سنتأكد أن ما يقف خلفهما هو قوى ارتكاسية، وإرادة قوة نافية. وبالتالي فهما تجليات –وإن اختلفت في الشكل- للعدمية بكل ما تعنيه من "بخس لقيمة الحياة والوجود". كما يؤكد جيل دولوز. ويواصل نيتشه حملته على الفلسفة الألمانية الهيجلية، حين يفضح، حسب دولوز، "طابع الفلسفة الألمانية اللاهوتي والمسيحي(...) عجز هذه الفلسفة عن الخروج من المنظور العدمي(...) عجز هذه الفلسفة عن الإفضاء إلى شيء آخر غير الأنا أو الإنسان"[13].
2- نيتشه فيلسوف العود الأبدي :
* نيتشه و الصيرورة:
يمكن أن نعزو حنق نيتشه على معظم الفلاسفة إلى "غياب الحس التاريخي لديهم، حقدهم على فكرة الصيرورة نفسها(...) أستثني اسم هيراقليطس مع كامل الاحترام الواجب له"[14]. كما عبر نيتشه بنفسه.
إن النظر إلى الأشياء وإلى الوجود من خلال مفاهيم الماهية والجوهر والشيء في ذاته، التي تنصب في منحى الإعلاء من شأو مقولة الثبات، على حساب مقولة الصيرورة، هو ما يهاجمه نيتشه، (أي انتصار أناكسيمندرس على هيراقليطس). تلك المقولات، التي لا ينفك نيتشه يصرح بأن لا وجود لها إلا في العقل الإنساني، الذي يحاول تعقيل الحياة وإلجامها، بواسطة تلك المفاهيم، لنفي الاختلاف وإقرار الوحدة والثبات.


وينطلق هذا الموقف النافي للصيرورة، من تصور عام للوجود، لا يرى في هذا الأخير إلا تعبيرا عن اللاعدالة والذنب، والذي يجد صورته في التصور المسيحي للوجود كخطيئة، ينبغي التطهر منها بالألم، بتعذيب النفس. وفي كل المنظورات الأخلاقية و الميتافيزيقية، التي تدور في فلكه، والتي يجمع بينها خيط رفيع، هو نظرتها إلى الوجود بمنظار أخلاقي زهدي.

ونفهم استثناء نيتشه لهيراقليطس من خلال ما يقوله عنه دولوز "إن هيراقليطس هو المفكر المأساوي (...) إنه يفهم الوجود انطلاقا من غريزة لعب، ويجعل من الوجود ظاهرة جمالية، لا ظاهرة أخلاقية أو دينية"[15]، ويضيف قائلا: لقد" نظرهيراقليطس بعمق، فلم ير أي عقاب للمتعدد، أي تكفير عن الصيرورة، أي ذنب للوجود(...) بل رأى العكس تماما: الإثبات المزدوج للصيرورة ولوجود الصيرورة، وباختصار إثبات الوجود"[16].
إن استثناء نيتشه إذن لهيراقليطس، من الفلاسفة الحاقدين على فكرة الصيرورة، يجد مبرره في كونه أول من عمل على إثبات الصيرورة، ومن ثم النظر إليها كقانون للوجود، وإثبات له، وبالتالي فهو بخلاف المنظورات الأخلاقية والميتافيزيقية، التي تسعى إلى نفي الاختلاف، وتكريس سلطة النموذج الواحد والوحيد، من خلال الأوامر المطلقة والكلية، النافية لما عداها. قلنا إنه على العكس من ذلك، يمجد الصيرورة، بما تعنيه من إثبات للاختلاف والتعدد.
يرى دولوز أن نيتشه في تصوره للصيرورة، يرفض أي محاولة لجعلها مرتبطة بالسببية، و لإعطاء "العود الأبدي" (كملازم للصيرورة)، معنى أو نفحة غائية. فالصيرورة النيتشوية كما يشرحها لنا دولوز، ترفض إدخال أي قانون خارجي عليها. إنها أكثر من ذلك إثبات للصدفة، هاته الأخيرة، التي تتعارض مع الغائية. وربما يصح القول إن أول ما يريد نيتشه معارضته بفكرته عن العود الأبدي، هو النظرة الغائية للتاريخ والتفسير الخطي له.
  ولما لفكرة "العود الأبدي" من أهمية في فلسفة نيتشه، و ارتباطها بالصيرورة أيضا، ولتركيز دولوز عليها في قراءته لنيتشه، فإننا سنتطرق إليها بشيء من التفصيل.


يحدد دولوز للعود الأبدي وجهين مختلفين. وهما: العود الأبدي "كمذهب كوسمولوجي وفيزيائي". وثانيا: "كفكر أخلاقي وانتقائي". فما هي الخطوط العريضة لكل من هذين الوجهين؟

*الشق الكوسمولوجي للعود الأبدي:
لا يمكن فصل العود الأبدي أو العودة الدائمة، عن الصيرورة، وفي هذا السياق يبرز دولوز أن الصيرورة، كما يفهمها نيتشه، ليست لها بداية ،ولا نهاية لها، و ليست لها غاية أيضا. ويقدم دولوز أو "فيلسوف المستقبل" - بتعبير فوكو- العود الأبدي ك"جواب على مشكلة العبور" على حد تعبيره. إذ تعتبر اللحظة (في العود الأبدي) كنقطة تداخل بين الماضي والمستقبل. "يجب أن تكون اللحظة حاضرا وماضيا، حاضرا ومستقبلا في الوقت ذاته"[17].


إذ أن هذا الأمر هو وحده الكفيل بحصول أو تكون الماضي والحاضر والمستقبل، بعبارة أخرى فاللحظة أو الحاضر يحمل بذور الماضي والمستقبل. أي أن اللحظة هي تعبير عن الحاضر، وإحالة إلى الماضي، وتطلع نحو المستقبل، وفهم اللحظة بهذه الصورة تأكيد وإقرار لمبدأ الصيرورة، كمدخل –إن صح التعبير- ضروري للعود الأبدي. ويعتبر دولوز أن هذا الأخير هو "تأليف للصيرورة، وللوجود الذي تثبته الصيرورة"[18]. بمعنى أن العود الأبدي، يجعل من الوجود صيرورة، أي تعددا واختلافا وتغيرا، ويجعل من هذه الصيرورة إثباتا للوجود.

ونجد حضورا قويا لمفهوم الصيرورة هذا، لدى دولوز، وللعود الأبدي بحكم ارتباطهما، وذلك في قراءته لنيتشه، وفي مؤلفه المعنون ب"ماهي الفلسفة"، إذ يعبر أن الفلسفة صيرورة، وأن القول بهذه الصيرورة رفض للنزعة التاريخية. إن الفلسفة صيرورة، بمعنى أنها خلق متواصل، وعمل دؤوب ، تطبعه سمات التعايش والتناقض... غير أنه ليس عملا موجها نحو غاية محددة، أو هدف بعينه. ولا يحكمه منطق واحد معين.
ويرى دولوز في نفس الكتاب السالف الذكر أن "الصيرورة هي المفهوم عينه، فتولد في التاريخ وتتساقط فيه، ولكن دون أن تكون هي التاريخ، لا تمتلك في ذاتها بداية ولا نهاية وإنما وسطا فحسب"[19]. وترسيخا لمنطق الصيرورة هذا يعتبر أنه "قد يحدث أن لا شيء يتغير في التاريخ، كما قد يبدو ذلك، لكن كل شيء يتغير في الحدث ونتغير نحن في الحدث"[20]. لا شيء إذن ثابت، حتى وإن أراد ذوو النزعة التاريخية أن يوهمونا بخلاف ذلك. ذلك أن التغير والصيرورة يمس الكل، الأحداث والظواهر، ومعهم الإنسان أيضا.
وتغدو بالتالي محاولة البحث عن أصل واحد، أو بداية واحدة، أو قانون واحد، أمرا متعذر البلوغ، مادام أن ذلك الأصل وتلك البداية تحمل بذور التغيرات والتحولات، التي يعسر ردها إلى وحدة جامعة. لذلك "فإن تشخيص الصيرورات داخل كل حاضر يمضي، هو ما كان يرجعه نيتشه إلى الفيلسوف باعتباره طبيبا"[21]. طبيب الحضارات –النيتشوي- إذن هو الذي يعمل على استخراج الصيرورات فيما يراد له أن يعبر عن الوحدة. وذلك تأكيد لكون الوجود، "تطلعا نحو المستقبل"، واشتغالا به، من حيث أن هذا المستقبل-الحاضر(الكامن في الحاضر)، سيجد تحقق عودته في زمن العود الأبدي. ولكن هل تكون-أي تلك العودة- بمعنى استنساخي وبصورة كربونية؟
*الشق الانتقائي للعود الأبدي:
لا ينفك دولوز يحذرنا من الفهم المغلوط للعود الأبدي لدى نيتشه، وهو الفهم الذي يعتبر أن العود الأبدي، هو عودة للشيء نفسه، أي كاستنساخ لما هو موجود. إذ على العكس من ذلك يقوم العود الأبدي على مبدأ الانتقاء. إن قاعدته "كفكر أخلاقي" هي –بتعبير دولوز- "ما تريده، رده بحيث تريد عودته الدائمة"[22]. ولذلك يخاطبنا نيتشه قائلا "افعلوا ما تريدون، ولكن كونوا أولا من الذين بإمكانهم أن يريدوا"[23].


تغدو إذن فكرة العود الأبدي، بهذا الفهم الدولوزي، الذي يجعل منها انتقاء، رغبة نيتشوية أصيلة في تقوية الإرادة. وجعلها أكثر حزما وعزما. أي الوصول بها إلى مستوى تكون فيه "إرادة القوة"، التي يبشر بها نيتشه، هاته الأخيرة، التي نبهنا دولوز أيضا من فهمها على أنها الرغبة في امتلاك القوة أو السلطة أو السيطرة، ذلك أن شيئا من هذا القبيل، سيجعل من القوة مجرد رغبة في إثبات الذات أمام ولدى الآخر، أي يظل هذا الآخر مرتكز الذات في أخذ القيمة والمكانة، التي تسعى إليها.وهذا ما ينتقده نيتشه، ويعتبره من صفات الإنسان الارتكاسي- العبد. يضيف دولوز أن فهم "إرادة القوة"، كتطلع للقوة، يجعلها خاضعة للصراع، الذي سينتهي بانتصار العبيد، أولا لكثرتهم عدديا، وثانيا لأن المنطق الذي سيحتكم إليه هذا الصراع، سيكون هو المنطق السائد في التقويم. وهو من وضع العبيد. بعبارة أخرى، إن جعل إرادة القوة رهينة بالصراع والقوة، فيه إفقار لمعناها واختزال له، أكثر من ذلك فهذا الأمر، ستترتب عليه انعكاسات مضادة لتصور نيتشه. ذلك أنها ستخضع في نهاية المطاف للتقييمات السائدة، سواء أكانت دينية، أو أخلاقية، أو فلسفية حداثية... وفي رأي دولوز أن هذا هو بيت القصيد لدى نيتشه، أي أنه لا يرغب في تغيير القيم واستبدالها بأخرى، بقدر ما يرغب في جعل إرادة القوة "معيارا تقويميا"خلاقا ومبدعا لقيمه، "يعلن نيتشه أن فعل الإرادة هو خلق للقيم الجديدة"[24]. إن تهشيم نيتشه، إذن، لمداميك القيم، كان قنطرة لا مناص من العبور عليها، من أجل الوصول إلى هدف أسمى، ألا وهو تحرير الإرادة من "ترسبات القيم العتيقة"، وإطلاق العنان لها، كي تصير فعلا خلاقا ومنتجا، يهمه إثبات الذات، أكثر مما يعنيه نفي الآخر. وهذه هي سمة الإنسان الفاعل.



يسجل دولوز ملاحظة هامة، وهي أن العود الأبدي يمثل النهاية المحتومة للعدمية والقوى الارتكاسية، والصيرورة الارتكاسية، التي تترابط بعضها ببعض. فالعدمية هي الورش –إن صح التعبير- الذي يمتح ويغرف من مساعي الحط من قيمة الحياة، وقدر الوجود، تتباين أشكالها (أي العدمية) ووسائلها. فمن "عدمية نافية"، تبخس الحياة مكانتها وقيمتها، باسم القيم العليا (عدمية الفكر الميتافيزيقي الذي يرسم عالمين: علوي خير وتحتي شرير...)، إلى "عدمية ارتكاسية"، ترفع عقيرتها بالصياح بموت الإله وتبشر بفناء العالم الفوق-محسوس، إلا أنها تستعيض عن هذا العالم بعالم واقعي وحقيقي، تجعل منه مدخلا لإلجام الحياة وأسرها، باسم القيم الإنسانية و الحداثية و الأنوارية (عصر الأنوار). ومن هذه العدمية الارتكاسية إلى "عدمية سلبية"، يمثلها "آخر العالمين"، الذي يجعل من "عدم الإرادة" مبدأ لحياته.

بيد أن هذه العدمية الأخيرة هي التي ستكون سبيلا لنفي القوى الارتكاسية، ومحو العدمية في زمن العود الأبدي. فقد "أنزلت الهزيمة بالعدمية، لكن على يديها هي بالذات"[25]. نوضح ما سلف، فنقول، إن القوى الارتكاسية، التي تشكل العدمية مبدأها وسمتها الجوهرية، تبلغ مرحلة ما يسميه نيتشه ب"التدمير الذاتي الفاعل"، حيث تدمر ذاتها بذاتها، وبتعبير دولوز "تكتوي بنار عدميتها" لذلك "تُعْلِمُنا العودة الدائمة بأن الصيرورة الارتكاسية ليس لها وجود، إن للصيرورة الفاعلة وحدها وجود، هو وجود الصيرورة بكاملها"[26].
فالعود الأبدي إذن، يمثل المحك والامتحان، الذي يحكمه مبدأ الاصطفاء والانتقاء. ولاشك أن هذا الممتحن(العود الأبدي)، لن ينتقي إلا ما توفرت فيه شروط من وضعه. ويمكن تلخيص تلك الشروط في الاتصاف بصفة الإثبات، والالتزام بالقاعدة، التي سبق ذكرها (ما تريده، رده بحيث تريد عودته الدائمة). ولذلك يتضح أن العود الأبدي هو الزمن الذي تختفي معه كل تجليات الارتكاس والفكر العدمي (لانتفاء الشروط السالفة الذكر فيه). وهذا ما يعبر عنه دولوز بقوله: "إن درس العودة الدائمة هو أنه ليس هناك عودة للنافي. إن العودة الدائمة تعني أن الوجود انتقاء. العودة الدائمة هي إعادة توليد الصيرورة، لكن الصيرورة هي أيضا توليد صيرورة فاعلة"[27].
ينظر دولوز، إذن، إلى العود الأبدي النيتشوي، من منظور كوسمولوجي وفيزيائي، يقر الصيرورة كسمة بارزة للوجود. لا بل يجعل منها الوجود وإثبات الوجود. ومن منظور أخلاقي و أنطولوجي، يجعل منها فكرا يقوم على مبدأ الانتقاء، تندحر فيه القوى الارتكاسية، ويحل فيه الإثبات محل النفي، وتسود فيه الصيرورة الفاعلة على حساب الصيرورة الارتكاسية. باختصار تتبخر فيه العدمية وتصير نسيا منسيا.
ولذلك فدولوز يقر بهاته الحقيقة "إننا نفهم أن نيتشه لا يتعرف إطلاقا على فكرته عن العود الأبدي من العصر القديم"[28]. ذلك أن العود الأبدي قديما كان مفهوما بمعنى عودة الشيء نفسه، واستنساخا لما هو موجود، بيد أنه مع نيتشه يبدو بحلة جديدة وفريدة، تجعل منه انتفاء وانتقاء. انتفاء لأوجه العدمية، وانتقاء لكل ما يعبر عن الإثبات والصيرورة الفاعلة والتعدد، وباختصار لكل ما يمثل إرهاصات وبوادر لبزوغ الإنسان الأسمى. وذلك ما يعبر عنه دولوز بقوله: "يدفع [زرادشت] بالعودة الدائمة لتولد معلولها، الإنسان الأسمى"[29]. فكيف يتمثل دولوز هذا الإنسان الأسمى (النيتشوي)؟ وما أهم معالم اللوحة الفنية التي يرسمها له؟


            الإنسان الأعلى في التصور الدولوزي:

لن نجانب الصواب إن قلنا إن ما كان يحفز نيتشه في عمله الفكري، وما كان يطمح بلوغه هو عملين اثنين متكاملين ويوصل أحدهما إلى الآخر: وهما: تعرية العدمية في كل أشكالها وصورها. وإيصالها إلى لحظة العدمية الناجزة والمكتملة –بتعبير دولوز- وثانيا تحقيق المشروع الأكبر: مشروع الإنسان الأعلى.
يعتبر نيتشه الإنسان مرضا[30]. وربما لا تنفع معه الحلول الترقيعية والعلاجية، بل إنه "كائن ينبغي تجاوزه"[31]، على حد تعبير نيتشه. ويؤكد دولوز أن الإنسان الأسمى ليس مجرد تغيير في بعض حيثيات الإنسان (كتعديل تصورنا حول الإنسان مثلا)، أو تحقيق جوهر الإنسان[32]. "ذلك أن الجوهر الإنساني لا ينتظر الإنسان الأسمى ليتحدد، إنه محدد كإنساني، وإنساني جدا"[33]. وبالتالي فدولوز يرى أن الإنسان الأعلى أكبر وأعمق من ذلك، إنه تغيير في طبيعة وماهية وهدف الإنسان، وهو ما يسميه نيتشه "تجاوز الإنسان".
فدولوز يرى أن الصيرورة الارتكاسية هي طبيعة وجوهر الإنسان (يدلل على ذلك بانتصار أخلاق العبيد في كل لحظات صراعها مع أخلاق السادة). ولذا لزم الغوص في عمق هاته الطبيعة وتغييرها، بجعلها أكثر فاعلية و إثباتية، وحين يعقد الفيلسوف الرحال(دولوز) مقارنة بين الإنسان المتفوق[34] وبين الإنسان الأعلى، فهو يستشهد بقول زرادشت: "أنتم أيها الناس المتفوقون أتعتقدون أني هنا لإصلاح ما أسأتم صنعه"[35]. ليؤكد أن الإنسان الأعلى ليس مشروعا إصلاحيا أو تكميليا للإنسان المتفوق. بقدر ما يشكل تخطيا له وذهابا إلى أبعد الحدود. هاته الحدود التي يعسر إن لم نقل يستحيل على الإنسان المتفوق بلوغها، بحكم إنسانيته المفرطة وجوهره الارتكاسي.
وفي هذا الصدد يعدد دولوز بعض الميزات التي يفتقر إليها الإنسان المتفوق ليصير إنسانا أعلى (نيتشويا). وأهمها "عنصر الإثبات هو العنصر الذي ينقص الإنسان، وحتى بوجه خاص الإنسان المتفوق"[36]. يعني هذا أن الإنسان الذي يظل النفي ملازما وسمة له، هو في مرتبة "ما دون الإنسان الأعلى –إن صح التعبير- حتى وإن يكن الإنسان المتفوق. وهنا ينبغي أن نتذكر أن دولوز قد حدد زمن العود الأبدي، بانتفاء النفي فيه، وعلى حد قوله "يصبح النافي مطرودا من كوكبة الوجود". وبالتالي فالإنسان الأعلى هو الذي يثبت كل شيء، ولكن يمكن أن نستدرك لنؤكد أن الإنسان الأعلى قادر في الآن ذاته على النفي، غير أن هذا الأخير يكون في مرحلة متقدمة من العود الأبدي، ويتم كمدخل لإحقاق الإثبات وسريانه في الوجود.


 ولكن لنا أن نتساءل ما الذي يميز هذا الإثبات الذي يصدر عن الإنسان الأعلى؟

إن إثبات الإنسان الأسمى هو إثبات ديونيزي الطبيعة والهدف، إنه إثبات ل"الضحك واللعب والرقص، الضحك هو إثبات الحياة، وحتى الألم في الحياة، واللعب هو إثبات الصدفة، وفي الصدفة ضرورتها، والرقص هو إثبات الصيرورة وفي الصيرورة الوجود"[37].
الإنسان الأعلى هو الذي يؤكد الحياة بضحكه، والتي يعلن من خلالها أن الحياة ينبغي أن نعيشها لا أن نعاديها وأن نفرح بها لا أن نترح عليها، ويذهب هذا الإنسان الأعلى أكثر من ذلك حين لا يقصي الألم من الحياة بل يثبته. ويؤكد أنه موجود وليس مدعاة للحزن بلا لمزيد من تأكيد الحياة، وإثبات وجود الصدفة، لكن الصدفة كضرورة وحتمية، من خلال التوجه إلى اللعب دون أن نستطيع فعل كل ذلك دون التأكيد على ضرورة وجود الصيرورة، بل وصيرورة الوجود. بهذا المعنى فالإنسان الأعلى يخلع عنه رداء العدمية ليتسربل أردية بألوان زاهية وفاتحة كلها تعبير عن الفرح، الذي يغمر النفس، والذي يتبدى في القهقهات التي تتعالى أصواتها ليملأ صداها كل الوجود. وحين يعلن الإنسان الأعلى من محراب العود الأبدي أن الصدفة موجودة وكائنة فهو يروم من وراء ذلك أن يجب و يمحوعن الإنسان والوجود ما ألصق به من أدران وتهم، وينفي المسؤولية عن الإنسان، ويكمل مهمته تلك بإعلان الصيرورة قانونا للوجود أي:"ألا يكون أحد مسؤولا أبدا(...) هذا وحده هو التحرير الأكبر، من هنا ، ومن هنا فقط، أصلحت براءة الصيرورة"[38].
ويؤكد دولوز مرة أخرى أن ما يرغب فيه نيتشه هو التغيير في مبدأ ومعيار التقويم لا القيم نفسها، فما فائدة تغيير القاضي مادام القانون الذي يستند أو يرجع إليه هو هو. لذلك وعى نيتشه بهذا الأمر فأكد على ضرورة تبديل المبدأ (العدمية)، وهي مهمة ستتحقق مع الإنسان الأعلى إذ يحتكم في تقويماته إلى الإعلاء من شأو الوجود بدل الانتقاص منه، وإلى الإثبات كإرادة قوة، على أن تفهم هذه الأخيرة، كما أشرنا إلى ذلك من قبل كمبدأ خلاق ومبدع للقيم. وأخيرا إلى الإرادة كإثبات لا نفي، وكخلق لا خنق، وكإبداع لا اقتلاع.
الضحك واللعب والرقص ثلاثة أشياء تبدو في ظاهرها بسيطة ومن دون أهمية، إلا أن عمقها تأكيد للحياة واستئصال للعدمية من جذورها، ويدعونا نيتشه في أروع كتبه "هكذا تكلم زرادشت"، إلى التمسك والتشبث بها، حين يقول "لا تتوقفن عن الرقص أيتها الفتيات الجميلات"[39]، "أنا زرادشت الراقص، زرادشت الخفيف"[40]، "لقد كرست الضحك فتعلموا أن تضحكوا أيها الرجال الراقون"[41]، ويختم كل ذلك قائلا : "تريد الفرحة خلود كل الأشياء"[42]. ويؤكد دولوز أنها(أي تلك الأشياء الثلاثة) مما يميز الإنسان الأعلى.
كان نيتشه من قبل جملا يحمل الأثقال، مثله في ذلك مثل كل إنسان محمل بقيم صخرية، سواء من الأعلى (القيم الأخلاقية والإلهية)، أو من الأسفل (قيم النزعة الإنسانية..). وحين عرى عن تلك القيم ملابسها، فكشف ما يكمن خلفها من بعد عدمي ناف للحياة، كان يقوم بذلك من موقع الأسد المحطم للقيم- الأصنام. فمهد بذلك لإمكان بروز الإنسان الأعلى الذي سيأتي بما يتجاوز ذلك، وهو أن يصير طفلا- لاعبا. طفل له سمات كل الأطفال، أي البراءة والضحك، ولاعب له ميزات كل لاعب حقيقي (لا وهمي)، أي إثبات الصدفة- الضرورية إن صح التعبير (اعتبار الصدفة كضرورة)، والرقص. ومن خلال ذلك اثبات التعدد وتقبل الاختلاف (من مميزات فلسفة ما بعد الحداثة الاعتراف بالاختلاف والتأكيد عليه، لا نفيه باسم النموذج الأوحد). فرسالة الإنسان الأعلى النيتشوي هي إثبات التعدد والصيرورة والاختلاف كأشياء لا تدعو إلى الحزن والألم بل الى مزيد من الفرحة والبهجة الديونيزية.
هكذا، في الأخير، إذن نبلغ الإنسان الأعلى بتخليص الإنسان من الاضطغان والانتقام وأشكال الإحساس بالخطأ، ومن خلال إسقاط المثل الزهدي الأعلى من عليائه، وإحلال "مثل الفرح الأرضي" مكانه، إن صح التعبير، وأخيرا تأكيد العود الأبدي كزمن فيزيائي تحمل فيه اللحظة أشكالا جنينية من الماضي والحاضر وتشرئب بعنقها نحو المستقبل، ثم بتصور العود الأبدي أخلاقيا، كانتقاء للإثبات والصيرورة والفرح الفاعلة، وانتفاء لمختلف تلوينات العدمية (النفي، القوى والصيرورة الارتكاسية). وبعد كل هذا يجعل الإنسان الأسمى من الفرح والضحك واللعب والرقص قيمه التي بها يصرخ في وجه الوجود معلنا "الحياة أولا والحياة أخيرا". هاته الحياة التي يكون فيها للفن مكانة كبيرة على أن نفهم الفن عند نيتشه، كفرح وسعادة واستمتاع وإبداع وإثارة وتمجيد للجسد ، وباختصار الفن متخلصا من المثل الزهدي الأعلى ومن رقابة العدمية.


              الهوامش :



1.       فريدريك نيتشه، جينيالوجيا الأخلاق، ترجمة وتقديم محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 2006، ص.14.

2.      جيل دولوز، نيتشه والفلسفة، ترجمة أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط2، 2001، ص. 7.
3.      سنتطرق لتحديد الجينيالوجيا بشيء من التفصيل في الفصل المخصص لتأثير نيتشه في فوكو.
فريدريك نيتشه، جينيالوجيا الأخلاق، ترجمة وتقديم محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 2006.
5.      جيل دولوز، نيتشه، تعريب أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، لبنان، بيروت، ط.1، 1998، ص.31.
6.      عزيز الحدادي، للأشياء رائحتها، لقاء الفيلسوف بالرسام، منشورات ما بعد الحداثة، فاس، ط1، 2007، ص. 131.
فريدريك نيتشه، جينيالوجيا الأخلاق، م.س. ص.49.
8.      جيل دولوز، نيتشه والفلسفة، م.س. ص.251.
9.      نفسه، ص. 48.
نفسه، ص. 243.
11.  نفسه، ص. 119.
نفسه، ص. 66.
13.  نفسه، ص. 209.
فريدريك نيتشه، أفول الأصنام، ترجمة حسان بورقية، محمد الناجي، أفريقيا الشرق، ط1، 1996، ص-ص. 25-26.
15.  جيل دولوز، نيتشه والفلسفة، ص. 33.
نفسه، ص. 34.
17.  نفسه، ص. 64.
نفسه، ص. 66.
19.  جيل دولوز، فليكس غتاري، ما هي الفلسفة، ترجمة وتقديم ومراجعة مطاع صفدي،مركز الانماء القومي لبنان، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء،ط1 1997.ص122. 
20.  ن.م ص 123.
نفسه، ص. 124.
22.  نيتشه و الفلسفة،م.س .ص91
23.  فريدريك نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، ترجمة محمد الناجي،أفريقيا الشرق، المغرب، 2006.ص.154.
دولوز، نيتشه والفلسفة، م.س. ص. 109.
25.  دولوز، نيتشه والفلسفة، م.س. ص. 221.
نفسه، ص. 93.
27.  نفسه، ص. 242.
28.  نفسه، ص. 41.
نفسه، ص. 246.
30.  يقول نيتشه في كتابه هكذا تكلم زرادشت: "إن للأرض جلدا، ولهذا أمراضه، وأحدها إسمه الإنسان"، ص. 120.
31.  نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، م.س.، ص. 246.
32.  يقول دولوز في كتابه نيتشه والفلسفة: "لا يمكننا أيضا أن نتتبع تفسيرا كتفسير هايدغر الذي يجعل من الإنسان الأسمى تحقيق الجوهر الإنساني لا بل تحديد هذا الجوهر"، ص. 217.
33.  نفسه، ص. 217.
34.  الإنسان المتفوق هو الذي قتل الإله لينصب نفسه مكانه (إنسان الحداثة).
دولوز، نيتشه والفلسفة، م.س. ص-ص. 216-217.
36.  نفسه، ص-ص. 218-219.
نفسه، ص. 219.
38.  فريدريك نيتشه، أفول أصنام، ترجمة حسن بورقية ومحمد الناجي، أفريقيا الشرق، ط1، 2006، ص-ص. 55-56.
39.  فريديريك نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، م.س. ص. 99.
40.  نفسه، ص. 271.
41.  نفسه، ص. 272.
42.    نفسه، ص. 302.


        لائحة المصادر و المراجع :

   
 فريدريك نيتشه، جينيالوجيا الأخلاق، ترجمة وتقديم محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 2006.
فريدريك نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، ترجمة محمد الناجي،أفريقيا الشرق، المغرب، 2006.
 فريدريك نيتشه، أفول أصنام، ترجمة حسن بورقية ومحمد الناجي، أفريقيا الشرق، ط1، 2006.
   جيل دولوز، نيتشه والفلسفة، ترجمة أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط2، 2001.
 جيل دولوز، نيتشه، تعريب أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، لبنان، بيروت، ط.1، 1998،
 جيل دولوز، فليكس غتاري، ما هي الفلسفة، ترجمة وتقديم ومراجعة مطاع صفدي،مركز الانماء القومي لبنان، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء،ط1 1997.

أضواء حول صدى نيتشه في فكر ميشيل فوكو


"أنا ببساطة نيتشوي أحاول بقدر الإمكان أن أرى بخصوص عدد من النقاط – بمساعدة نصوص نيتشه- ولكن مع ذلك مع أطروحات مضادة لنيتشه (وإن كانت مع ذلك نيتشوية) ماذا يمكن أن نعمل في هذا المجال أو ذاك. لا أبحث عن أي شيء آخر، ولكني أبحث عن هذا بحق" (ميشيل فوكو)

تقديم :

قد لا يختلف اثنان حول قيمة الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، وأهميته داخل المسرح الفلسفي ككل. ومكانته الكبيرة تلك، يستمدها من كونه فيلسوفا أبدع مفاهيمه: بتعبير دولوزي؛ ولأنه أيضا فكر بشكل مختلف، بتعبير فوكوي، سواء من حيث الموضوعات والإشكالات التي تناولها، أو من حيث الطريقة التي عالج بها تلك المواضيع.

بدأ فوكو مسيرته الفلسفية، بكتابه الشهير "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي"، الذي قام فيه لأول مرة بتسليط الضوء على موضوع، طالما اعتبر هامشيا، ليردفه بعد ذلك بمؤلفات أخرى مثل: "مولد العيادة"، و"الكلمات والأشياء"، و"المراقبة والعقاب"، و"تاريخ الجنسانية" بأجزائه الثلاثة... انكب في هذه الأعمال على بلورة حفريات للمعرفة، تأخذ على عاتقها التأريخ للفكر والعلوم، من منطلق أشكلة ظهورها ونشوئها.

وإذ نقوم بعرض بعض الخطوط العريضة للمشروع الفوكوي، في الورقات الآتية (ونحن واعون باستحالة رصد كل الفكر الفوكوي الشاسع في هذا البحث)، فلكي نستجلي حضور نيتشه في هذا الفكر. فكيف يمكن الحديث عن تأثير نيتشوي في فكر فوكو؟ وإلى أي حد يمكن القول بحضور نيتشوي داخل البيت (الفكري طبعا) الفوكوي؟ وإلى أي مدى يمكن الحديث عن تقاطعات بينهما؟

I من الجينالوجيا إلى الأركيولوجيا

لقد شن نيتشه حربا ضروسا ضد المفاهيم والمقولات الميتافيزيقية، التي رسختها بعض الفلسفات، من قبيل: العمق والجوهر والثبات والغائية والأصل...إلخ. فقد اكتشف أن هاته المفاهيم ما هي إلا اختراعات إنسانية محضة، ليس لها من شفيع في مستوى ما هو ميتافيزيقي، إذ لا وجود له في نظر نيتشه، ولا في مستوى ما هو واقعي، إذ يكشف العكس. ورغم ذلك فإن هاته المقولات ظلت بمثابة "أمثولات مناقبية" أو تماثيل مقدسة تعبد. ذلك أن الإنسان وجد فيها ملاذه الآمن، وعونه الدائم في صراعه مع الحياة. إنها تو ورثت وكأنها "عقائد راسخة لدرجة شكلت معها العمق المشترك للنوع البشري"[1]. ولذلك وجه نيتشه صوبها مطرقته التي لا ترحم. ليجد أن العمق الذي نتحدث عنه ما هو إلا سطح متسربل بلباس العمق. إنه يقول: "فإذا كان هناك قناع فلا شيء من ورائه. إنه سطح لا يخفي شيئا سوى ذاته".

وفي مقالة لفوكو بعنوان "نيتشه، فرويد وماركس"، يتطرق فيها إلى دور هؤلاء الثلاثة في "التغيير من طبيعة الدلالة". ويركز على أهمية نيتشه في كونه كشف بأن نظرتنا إلى الأشياء (قيم، فكر، لغة...)، هي إضفاء للدلالة عليها. دلالة ليست ماهية لها، أي ليست كامنة فيها كجوهر، بل هي إنتاجنا. إذ كما يقول فوكو: "لا يوجد بالنسبة لنيتشه مدلول أصلي"[2]. ولذلك فالقيم والكلمات هي تجسيد لصراع القوى والتأويلات، التي تتغي الهيمنة على الدلالة، ورفعها إلى مستوى الحقيقي. ولهذا يرى فوكو أن ميزة التفسير الجديد هو انعدام الركون إلى تفسير واحد و دلالة مطلقة، أكثر من ذلك، إن هذا التفسير يؤكد أنه لا وجود لشيء يستدعي التفسير ، لا لشيء إلا لأن "كل شيء إنما هو في العمق تفسير"[3]. وفي هذا ضرب لمبدأ الدلالة الجوهرية، أو التفسير الأصلي.

وقد كانت وسيلة نيتشه للوصول إلى خلخلة المفاهيم الميتافيزيقية، استعمال "الجينيالوجيا" أو "النسابة"، التي تبحث عن أصل القيم، لتضعه موضع سؤال ولتحدد قيمته، على أن نفهم الأصل هنا فهما جديدا، لا يجعل منه مصدرا ساميا أو ماورائيا[4]. بل على العكس من ذلك شيئا يضرب بجذوره في الواقع، بكل ما يحمله هذا الأخير من صراعات وتناقضات.

يرى فوكو، في مقالة بعنوان "نيتشه: الجينيالوجيا والتاريخ"، أنه يمكن تحديد الجينيالوجيا كبحث متواصل عن البدايات، وليس الأصل، بكل ما تتسم به من شتات في تفاصيلها، وسخافة في هوامشها، وقبح في مظاهرها. فبينما ترمي الميتافيزيقا إلى الكشف عن الأصل الواحد والجوهري، وإبراز اختراق الماهيات للأعراض، والوحدة للأجزاء، تقوم الجينيالوجيا على عكس ذلك، بالبحث عن المصدر الذي "يربك ما ندركه ثابتا، ويجزئ ما نراه موحدا، ويجعلنا ندرك المطابق لذاته غير متجانس"[5].

إنها (أي الجينيالوجيا) إذن، عمل مضاد للميتافيزيقا، يروم خلخلتها، وتكسير صنميتها، والوقوف على ما تحاول إخفاءه، من قبيل: الهوامش، والتفاصيل، القوى والصراعات، الانقطاع والتجزؤ، التعدد والتغير... وليؤدي الطبيب الجينيالوجي –بتعبير فوكو- هاته المهمة، فلا مندوحة له من الاستعانة بالتاريخ، شرط ألا يتم فهمه كما يفعل المؤرخون، أي كتسجيل ورصد للأحداث أو المؤسسات أو الأفكار... أو كما تتصوره فلسفة التاريخ، التي ترى فيه سيرورة غائية، يحكمها عقل، أو "وعي تاريخي" –بتعبير فوكو- أو كما تريد الميتافيزيقا أن تظهره لنا، أي كانبثاق عن الأصل، يشكل ماهية الماضي والحاضر، وربما المستقبل، باختصار كمظاهر وأعراض لوحدة متصلة.

على العكس من ذلك فالتاريخ الجينيالوجي، أو "التاريخ الفعلي"، كما يسميه فوكو، "يعلمنا الاستخفاف بالحفاوة التي يحظى بها الأصل"[6]. يهدف التاريخ الجينيالوجي –حسب فوكو- إلى الإفلات من زمام الاتصال ليكشف الانفصال الذي يخترق الواقع، ومن الحقيقة ليسلط الضوء على الجسد والغريزة المستبعدين من مسرح الحقيقة، وليظهر الحرب والهيمنة بدل السلم والحرية. ذلك أنه يؤمن بالتأويل مبدأ، وبكشف الأقنعة وسيلة. إنه "تاريخ متمرد". يطلعنا على سر من الأهمية بما كان. ألا وهو أن "لعبة التاريخ الكبرى تتمثل فيمن يفوز بالقواعد ويستأثر بها"[7]. لأن هذا الفوز سيتيح لصاحبه أن يهيمن ويسود، باسم "التنظيم" و"العقلنة" و"المعرفة". وحسب فوكو فللحس التاريخي استعمالات ثلاث، تصب في نفس المنحى ألا وهو معارضة التاريخ الميتافيزيقي أو الأفلاطوني.

 يتمثل الاستعمال الأول في السخرية ممن الواقع، ومن "الهويات الجوفاء"، تأكيدا لحضور الهامش و ما هو مقصى. والاستعمال الثاني "تفكيك". إنه "التقويض الدائم لهوياتنا"[8]. إبرازا للقطائع والانفصالات والتصدعات التي تخترقنا. ليكمل الاستعمال الثالث، ما جاء به هذين التوظيفين: من خلال "نقد الذات العارفة". بل والتخلص منها. توضيحا لعدم نزاهة إرادة المعرفة، ولكون شياطين الغريزة والهيمنة تستبد بها. إن التاريخ الفعلي يريد أن يوقظنا من سباتنا الطويل. وأن يجرنا لرؤية حقائق غير تلك التي تعودنا على سماعها باستلطاف وبهجة.

هكذا، إذن، يفهم فوكو الجينيالوجيا، وهكذا استلهم مبادئها وآلياتها، في أعماله ومؤلفاته، كما يؤكد ذلك بنفسه. إذ يقول: "هناك ثلاثة ميادين ممكنة للنسابات: أولها أنطولوجيا تاريخية لذواتنا في علاقاتها بالحقيقة، تمكننا من تأسيس أنفسنا كذوات معرفية. وثانيها أنطولوجيا تاريخية لذواتنا في علاقاتنا بحقل من حقول السلطة، تتأسس فيه كذوات قيد الفعل في الآخرين. وخيرا أنطولوجيا تاريخية لعلاقاتنا بالأخلاق، تمكننا من تأسيس أنفسنا كفاعلين أخلاقيين"[9]. ويؤكد أن هاته المحاور تجد تحققها ككل في "تاريخ الجنون". وقد انكب على دراسة محور الحقيقة في "مولد العيادة" و"أركيولوجيا المعرفة". بينما تعرض لمحور السلطة في "المراقبة والعقاب". وأخيرا فقد تطرق في "الحياة الجنسية" لمحور الأخلاق[10].

يتصور فوكو، إذن، الجينيالوجيا كدراسات أو متابعات تاريخية، تروم بالأساس الكشف عن الملابسات، التي تحيط بثلاثة حقول (ميادين) أساسية، في المجتمعات الغربية، هي: الحقيقة والسلطة والأخلاق، التي تنتظم في شبكة معقدة من الممارسات الخطابية (الخطاب بمعناه الشامل أي كفكر وعلم وثقافة عامة، سواء أكان ذلك فرديا أم اجتماعيا) وغير الخطابية. لذلك يمكن الحديث عن أواصر "قرابة فكرية" –إن صح التعبير- بين الجينيالوجيا النيتشوية والأركيولوجيا الفوكوية. ويتجلى ذلك في الأهمية التي يوليانها معا للتاريخ، ولكن على أساس فهم جديد له، إذ تسعى الجينيالوجيا إلى إيضاح لعبة القوى وصراع التأويلات التي تخترقه. وفي نفس المسار تسير الأركيولوجيا (الحفريات الأثرية)، بإقامة تاريخ للفكر والمعارف والفلسفة والأدب،" يعمل على إبراز تعدد الفصائل وتقصي جميع بوادر الانفصال"[11]، بالاعتماد على الوثائق وتحويلها إلى أثريات. ففي نظر فوكو أن "التاريخ اليوم يميل إلى الحفريات، ويسعى نحو الوصف الباطني للأثريات"[12]. بعبارة أخرى إن التاريخ الحفري هو بحث داخلي في الوثائق –الأثريات، يتخلص من "السذاجة التاريخية"، ليتحلى بروح "المساءلة والتشكيك".

وتتقاطع الجينيالوجيا مع الأركيولوجيا أيضا، في التخلي عن المفهومات الميتافيزيقية، والمنظورات الأفلاطونية، التي  تمجد العمق والغاية والأصل، لتحل محلها النظرة الريبية، ومقولات الانفصال والتصدع والهيمنة. إلا أن اختلاف نيتشه عن فوكو، ربما يكمن في كون الأول يعمل، من خلال جينيالوجياه، على توجيه أصابع الاتهام إلى ما يسميهم بالعبيد أو القوى الارتكاسية العدمية. في حين يقوم فوكو، بأركيولوجياه، على كشف علاقات الهيمنة، ومظاهر الانفصال في التاريخ، دون الجنوح نحو التقييم اتجاه فئات أو طبقات معينة.

يحضر نيتشه لدى فوكو، من خلال جينيالوجياه، وتصوره الجديد والفريد للتاريخ، أي كبؤرة توتر، تضم بين ثناياها، عدوات وهيمنات خلاقة للدلالة والقواعد والنظم.

II. من "جنون" الفيلسوف إلى فيلسوف الجنون:

سنحاول أن نتتبع التقاطعات الممكن إيجادها بين نيتشه وفوكو، ولذلك سنركز على موضوعة الجنون، اعتبارا للأهمية التي اكتستها لدى كلا الفيلسوفين. فكيف يظهر الجنون لديهما؟ وبم يتسم "جنون الفيلسوف" خاصة؟

لقد أسس ديكارت لتلك النظرة الإقصائية والتهميشية للجنون، وذلك حينما أراد أن يحرر ويفصل العقل عن الوهم، ويجنبه الوقوع في الخطأ والشك. كما يؤكد جان لاكروا[13]. فالكوجيطو الديكارتي بربطه بين الوجود والتفكير، يعلي من شأن هذا الأخير، الذي لا يمكن أن يتم إلا بواسطة العقل. هذا الأخير الذي ينظر إلى المجنون على أنه، لا نصيب له منه. وكأن المجنون بذلك شخص خارج "التغطية العقلية". إذ لطالما اعتبر الجنون فكرا أعمى (حسب مالبرانش)، لأنه يختلط بالوهم والتخيل، ولأنه فقدان للقدرة على قيادة الذات، مادام "المِقْوَدُ" (العقل) غائبا.

ومع نيتشه، وقبله شوبنهاور، ستهتز هاته الصورة المرسومة للجنون، على الأقل جنون الفلسوف، فشوبنهاور كما يقول عزيز الحدادي: "عاش بعمق تجربة الجنون ونال من نعيمها ودفئها". فإن كان المجنون هو الشخص الخارج عن الحدود المرسومة من طرف المجتمع، أو التمرد على صورة العقل التي يحدد المجتمع أدق تفاصيلها –فقسمة الجنون/العقل مبدأ إبعادي من صنع المجتمع، كما يؤكد فوكو-، فإن نيتشه بالطبع أول المجانين، ولكن أيضا أكثرهم حكمة وسعادة، إنه "فيلسوف عظيم عاش متعة الحكمة وفتنة الجنون"[14]. وأكثر من ذلك "كان المرض لا بل الجنون حاضرا في نتاج نيتشه"[15].

جنون نيتشه والفلاسفة، هو بمثابة ثورة على عقل المجتمع –العامة، الذي يبغي أن يقيد حريتهم، ويكمم أفواههم، وكأنه يخاطبهم فيقول لهم: إن لم تكونوا مثلنا، فإننا سنتهمكم بالجنون، ونجردكم من العقل والحكمة، ولكن بماذا يمكن أن نتصور مثلا نيتشه وهو يرد عليهم، إنه يصرخ قائلا: "وا أسفاه امنحيني الجنون ذا أيتها القوى الإلاهية. الجنون كي أخلص إلى الإيمان بذاتي (...) أثبتوا لي أنني إليكم! الجنون وحده يبرهن لي عن ذلك"[16]. وهكذا يصير الجنون "غاية للفيلسوف، وليس مجرد قدر يصيبه في كل لحظة. إن نيتشه قد اختار بأناقة شفافة أن يعيش تجربة الجنون"[17].

يعد نيتشه وغيره من "عباقرة الجنون"، ملهمي فوكو في دراسته للجنون. ألم يقل بنفسه: "إن كل أولئك الذين حاولوا (...) تطويق إرادة الحقيقة، ووضعها موضع سؤال ضد الحقيقة، في اللحظة التي كانت فيها الحقيقة تحاول تبرير الممنوع. وتعريف العمق، كل هؤلاء من نيتشه إلى آرتو ، وإلى باطاي ، يجب أن يكونوا بالنسبة لنا علامات سامقة بدون شك على طريق العمل الذي نقوم به كل يوم"[18]. وبالفعل فقد كانوا علاماته المرشدة، ومع اختلاف دراسته للجنون، إلا أنه كان يسير في نفس خطاهم.

 وفي "نظام الخطاب"، يتطرق فوكو للمنظور الإقصائي والتهميشي الذي كان يعامل به المجنون، والذي يتجسد مثلا في عدم قبول شهادته أمام الهيئات التحكيمية (القضاء الآن)، واعتبار كلامه من دون معنى، وفي نفس الوقت كان يصور على أنه الناطق باسم الحقيقة، وبوسعه أن يتنبأ ببعض الأحداث، وبعبارة أخرى، كان المجنون يرى بعينين، فعين ترى فيه ذلك المتلفظ بضجيج من الكلمات، جوفاء من المعنى، والعين الأخرى ترى فيه ذلك المتنبي (المجدوب)، الذي يمكن أن يتلفظ في أي لحظة بحقائق قد تكون غائبة حتى عن أعقل الناس.

وفي كتابه "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي"، يتطرق فوكو بتفصيل لموضوعة الجنون، فيلاحظ الحظوة الثقافية التي اكتسبها الجنون في عصر النهضة. إذ يتحول إلى "شعار قلق عميق" تجاه نظام  الحياة و كيفية ادراكه و تمثله. ويبدو ذلك واضحا في سفينة المجانين التي تجوب الأنهار الأوربية، كتعبير عن الإقصاء و"التطهير الرمزي"، من قبل المجتمع لفئة اعتبرت شاذة، وكأنها كائنات غير إنسانية أو من كوكب آخر.

يبرز فوكو أن هذه النظرة العزلية قائمة على الضرورة الاجتماعية، إذ بتهميش أولئك المنبوذين، يتمكن المجتمع الغربي من الحفاظ على تماسكه ووحدته، وتقوية التضامن الاجتماعي[19] (بالمعنى الدوركايمي). ولذلك تم تجميع "أراذل القوم" –بتعبير فوكو- من متشردين وفقراء ومنحرفين ومجرمين ومجانين، ووضعوا في محاجر كبرى، واستغلوا في أداء بعض الأشغال. أراد المجتمع الغربي إذن أن يرى "صورته الجميلة" –بتعبير هنري ليفي- في المرآة، فلما وجد في هذه الأخيرة بعض الأدران والأوساخ، عمل على تنظيفها، وذلك بإقصاء الفئات التي تمثل الشاذ والنقيض واللاعقل.

وبعد الثورة الفرنسية أدرك الغرب فجأة بأن "المجانين والمجرمون حبسوا بلا تمييز في المحاجر نفسها"[20]. ولذلك تم عزل المجانين في مكان خاص بهم، هو المستشفى العقلي، ومعه ولدت "النظرة الطبية-العلمية" للمجنون، كمختل عقلي وجب علاجه، وضمان حقوقه الإنسانية، لكن فوكو يؤكد مرة أخرى أن ذلك لم يكن بباعث إنساني مشفوع بتقدم علمي، بقدر ما كان استجابة لظروف اقتصادية، وملابسات اجتماعية وسلطوية، بدأ خلالها الغرب يعي أهمية السكان، كأهم عناصر المورد الاقتصادي و الاجتماعي.و بالتالي فمن اللازم القيام بما يضمن استمرارية السكان كذلك (بما فيه طبعا علاج المرضى العقليين). وبالرغم من ذلك فقد شكلت هذه المستشفيات العقلية بجهازها العلمي والطبي، "سيطرة عقلية على الجنون إلى الدرجة التي يغدو معها الجنون قسيما للعقل"[21]، كما يقول فوكو.

لقد تطرقنا إلى بعض معالم الجنون كما تناوله فوكو في "تاريخ الجنون". لنتبين كيف أنه أظهر أن "الجنون لا يوجد إلا في مجتمع وبالنسبة له"[22]. لقد أراد فوكو أن يخرجنا من نظرتنا الضيقة عن الجنون، ليفسح أمامنا آفاقا جديدة، يغدو معها الجنون موضوعا اجتماعيا، ويصير بالتالي جنون الفيلسوف وساما على صدره، قد لا يستأهله إلا أصحاب "الجنون الأعظم"، بتعبير فوكو. ذلك الجنون الذي قد يدفع بالمجتمع إلى أن "ينفذ أحكام الإعدام في حق الفلاسفة الذي يخيفونه بجنونهم الرائع والمدهش الذي يمزق الستار الشفاف الذي يخفي وجه الحقيقة"[23].

فالفيلسوف بجنونه الأعظم يرعب المجتمع، ذلك أن هذا الأخير لا يطيق أن يصغي إلى الحقائق، إذ أن جسده يقشعر منها. ذلك أنه لا يحبذ كل ما يزعجه في سباته الطويل. إذ تفضل العامة أن تسكن في قصور الوهم، وفي صروح الاعتقادات الراسخة، على الرغم من أن الأساس قد يكون هشا وقابلا للانهيار في أية لحظة. وغالبا ما يكون الفيلسوف مصدر خلخلة ذلك البناء الذي يشبه بيت العنكبوت. ولذلك فالمجتمعات المتخلفة (التي تسود فيها الأمية والجهل) يعسر عليها أن تتنفس هواء بنسمات فلسفية. إذ إن هاته النسمات تبدو لها (أي لمجتمعات التخلف) وكأنها ريح عاتية. وبالفعل فهي كذلك لمن اعتاد أن يسكن كهوف الجهل، ولمن كان عقله قالبا فارغا إلا من الدوغمائية والتعصب للرأي. وهو حال مجتمعنا، ويا للأسف!

هكذا أطلعنا فلاسفة الجنون على حقيقة هذا الأخير، وهكذا نستطيع أن نصغي رفقة نيتشه، ساد، آرتو وفوكو...، إلى الجنون "إنه يقول حقيقة عن الإنسان قديمة جدا، وقريبة منه جدا، وصامتة جدا، ومهددة له جدا، حقيقة تحت كل حقيقة"[24].

تعرفنا مع نيتشه وفوكو كيف أن الجنون يثور على النظم الاجتماعية، ويتخطى الأسوار العقلانية، ليثبت أن العقل ليس أنموذجا يحتذى، أو صراطا مستقيما يسلك، وإلا فالهلاك، وأن العقلانية ليست "كاتالوجا" (Catalogue) يحفظ، بقدر ما هي إبداع، وثورة على العتيق، وتجديد في الفكر، وإن كان هذا يوسم من طرف المجتمع بالجنون. فما أجمل هذا الجنون الخلاق، وما أحوجنا إلى مجانين من هذا الطراز في مجتمعنا!

 لكن هل يقتصر التقاء نيتشه بفوكو في "إعادة الاعتبار للجنون" –إن صح التعبير-؟ ألا يمكن أن نجد تقاطعات أخرى بينهما؟



III. السلطة والقوة والحقيقة والمعرفة:

يحدد دولوز في كتابه "فوكو"، بعض النقاط التي يتقاطع فيها فوكو ونيتشه، والتي يتجلى فيها حضور نيتشه عند فيلسوفنا الفرنسي.ولذلك فإننا سنستعرض هاته النقاط محاولين التوسع فيها.



السلطة والقوة :

لن ندعي هنا أننا سنقدم عرضا وافيا شافيا حول مفهوم السلطة كما تبلور مع فوكو، ذلك أن أمرا من هذا القبيل يحتاج لوحده إلى بحث وربما بحوث عدة. ولكننا سنحاول أن نتلمس أهم معالم هذا المفهوم، لنقوم بربطه بمفهوم القوة لدى نيتشه.

في الكتاب السالف الذكر لدولوز –ترجمه الدكتور سالم يفوت تحت عنوان: "المعرفة والسلطة: مدخل لقراءة فوكو"- يعرض فيه مجموعة من المسلمات بصدد السلطة، التي يرى أن فوكو عمل على دحضها، بالرغم من أنها كانت تعتبر قبل فوكو من الأمور غير المشكوك فيها. وسنقتصر على أهمها، وهي: اعتبار السلطة ملكية، أي القول بأنها في يد طبقة أو فئة من المجتمع دون أخرى، أو أنها في ملك الدولة. إن فوكو يتجاوز هذه النظرة، ولا ينفيها –كما يؤكد دولوز- يتجاوزها حين يعتبر السلطة بمثابة استراتيجية قائمة على مجموعة من العلاقات المتشابكة والمتداخلة فيما بينها، والتي يصعب عزلها جيدا. بعبارة أخرى، إن السلطة في نظر فوكو-في المجتمعات الغربية- تتشكل من شبكات من الممارسات والنظم والخطابات التي يتداخل فيها ما هو اجتماعي بما هو اقتصادي وما هو سياسي وكذا بما هو معرفي أيضا. فعلاقات السلطة كما يقول فوكو "علاقات إنتاجية قبل كل شيء"[25]. إنها "علاقات خلاقة وحربائية". لا تثبت على حالة واحدة. ولذلك نفهم لماذا راح فوكو يدرس السلطة في كل أشكالها، بل ويهتم ب"ميكروفيزياء السلطة" أيضا.

في تصوره للسلطة يتجاوز فوكو التصور اليميني أو الليبرالي للسلطة، الذي ينظر إليها "بمنظار قانوني"، أي أنه يفهم السلطة من خلال سيادة الدستور، والرجوع للقانون (كأعلى سلطة). ويتجاوز كذلك الطرح اليساري الماركسي، الذي يعتبر أن السلطة في يد الدولة،  ولذلك يطرحها من خلال ألفاظ الصراع الطبقي وصراع المصالح. وفوكو كما يؤكد دولوز، لا يلغي أو لا يلقي بهذين التصورين إلى سلة المهملات. ولكنه "يريد أن يبين الوجه الجديد الذي تأخذه السلطة"[26]. إنه يخلخل تلك الصورة المرسومة –لمدة طويلة – للسلطة.ولذلك يستغني عن النظرة العمودية للسلطة، القائمة على التبعية، وعلى التمييز بين حاكم ومحكوم، وغالب ومغلوب... أي السلطة كامتياز يحظى به طرف دون الآخر. على خلاف كل ذلك ففيلسوفنا يرى أن السلطة ينبغي أن تطرح من خلال مفاهيم جديدة، أي كاستراتيجية وكنوع من المحايثة والإجرائية[27]. إنها استراتيجية لأنها ليست في ملك أحد، وهي محايثة لأنها تخترق كل أجزاء المجتمع. وهي إجرائية، باعتبارها مجموعة من الإجراءات الواضحة والخفية في نفس الوقت. وفي هذا الصدد يقول فوكو في أحد حواراته "يجب اعتبار السلطة بمثابة شبكة منتجة تمر عبر الجسم الاجتماعي كله، أكثر مما هي سلبية وظيفتها هي ممارسة القمع"[28].

فالسلطة إذن شبكة، أي مجموعة من الخيوط المترابطة، العلاقات المنتجة، ونفهم معنى الإنتاج هنا، بكونها لا تقوم فقط على القمع والحظر والعنف، وبكونها أيضا منتجة لخطاب، وبالأحرى خطابات معينة، تسندها وتعضدها، وبأنها أيضا تتسم بالحيوية والتجدد. إنها (أي السلطة) كما يقول فوكو قائمة على "علاقات القوى المتعددة التي تكون محايثة للمجال الذي تعمل فيه تلك القوى". أو كما يقول دولوز، هي "علاقة قوى، أو أن كل علاقة قوى، هي على الأصح علاقة سلطة"[29]. وقد نتساءل لماذا؟ وعلى الفور يجيبنا دولوز لأن نيتشه أيضا "يرى أن علاقة القوة تتعدى العنف ولا تنحصر فيه أو تتحدد به"[30]. وقد حلل دولوز في كتابه "نيتشه والفلسفة" مفهوم القوة بالنسبة لنيتشه، بشكل عميق ونفاذ. فأول خصائص القوة (في نظر نيتشه) هو كونها لا توجد منفردة، بعبارة أخرى لا يجب أن نتحدث عن القوة بقدرما يجب أن نتحدث عن تعدد القوى، ذلك أن كل قوة تتوجه إلى قوة أخرى، لتدخل معها في علاقة صراع. وتتميز القوة أيضا بكونها لا يمكن أن تنفصل عن إرادة القوة، إذ أن هذه الأخيرة هي "مكمل للقوة، إسناد إرادة القوة إلى القوة"[31]. وإرادة القوة هي التي تريد. وكما أوضح دولوز جيدا، فإننا يجب ألا نقتصر في فهمنا للقوة وإرادة القوة عند نيتشه، على الفهم العادي، أي كعلاقات يطبعها العنف، والتأثير، إذ إن القوة تأثير (فاعلية) وتأثر (حينما تكون ارتكاسية خاصة). وإرادة القوة إرادة ورغبة، كما أن علاقات السلطة عند فوكو قصدية، وهي خلق وإبداع (إرادة القوة)، وعند فوكو علاقات السلطة إنتاج. وهي إثبات ونفي، إبقاء على الشبيه، وإقصاء للمخالف، كما أن السلطة لدى فوكو تشتغل على منظومات لتدعيم خطابات وممارسات معينة.وفي نفس الوقت نفي وتهميش لأخرى.

يرسم فوكو إذن لوحة جديدة للسلطة، تنتظم معالمها (وأهمها) في ركيزتين كبيرتين هما: "السلطة التأديبية" كما عرضها في كتابه "المراقبة والعقاب"، الذي أراد أن يضهر فيه الوسائل بدأت تعمل وفقها السلطة، وكيفية اشتغالها في المؤسسات (الثكنات، الجامعات، ...وخصوصا السجن)، وهاته "السياسة التأديبية" تسعى إلى "إنتاج كائن بشري يمكن معاملته كجسد طيع"[32].

هاته السياسة التأديبية التي يحكمها "عقل تأديبي"، وتشتغل "بتكنولوجيات تأديبية" –بتعابير فوكوية-  عقل يخترق أدق التفاصيل والجزئيات. ولذلك لزم الحديث عن "ميكروفيزياء للسلطة" –بتعبير فوكو- أو "السلطة الذرية" –إن صح التعبير- التي تظهر  في جزئيات صغيرة، وتبدو تافهة، إلا أنها في نظر فوكو غاية في الأهمية (من قبيل الهندسة المعمارية لأي مؤسسة، تنظيم الوقت، لوائح الحضور والغياب...). إذ تكشف عن آليات المراقبة والضبط التي تشمل كل مناحي الحياة الغربية. إنها "بانوبتيكون" ، يُرَاقِب ولا يُرَاقَب، ويَرى ولا يُرَى.

وتتجلى الركيزة الثانية للسلطة في "السلطة الحيوية" أو "السياسية الحيوية" التي "تعرف كل شيء عن مواطنيها، ولها الحق في نقل وحتى قتل سكانها"[33]. إنها تعرف كل شيء عن مواطنيها لأنها بمثابة "أخطبوط" يتغلغل في المجتمع، في صورة أجهزة إدارية، وأجهزة إعلام وخطابات شتى... وتستعين خاصة بالخطاب العلمي. مركزة على محوري: "الجنس البشري" متجسدا في مفهوم السكان، وأهمية الحفاظ على حيويته، وصحته وأمنه (وزارة الصحة العامة، أجهزة الشرطة)، وعلى تكنولوجيات للجسد، صار بموجبها هذا الأخير، موضوع استثمار، وتجريب، واهتمام به[34] (يتداخل في ذلك ما هو اقتصادي، بما هو علمي طبي، وبما هو جنسي صحي...).ويلخص دولوز أطروحات فوكو الأساسية حول السلطة في:

1. كون القوة (السلطة) ليست بالضرورة سلطة قامعة، وبتعابير فوكوية، "فالفرضية القمعية"، التي يمكن النظر من خلالها إلى اشتغال السلطة، تظل قاصرة عن فهم وإدراك "آليات السلطة".

2. أن القوة تمارس، تشتغل قبل أن تتجسد أو تتملك، إذ يصعب تعيين العلاقات السلطوية وتجسيمها، إذ أنها كما سبقت الإشارة، أكثر تخفيا وتنكرا. وفي الوقت ذاته، أكثر فعالية وإنتاجية (فقوتها تكمن في تخفيها).

3. إن هاته القوة –السلطة شاملة، فهي تسري على الكل، ولا تميز بين غالب أو مغلوب... ويعلق دولوز على ما سبق بقوله إنه "موقف نيتشوي عميق"[35].

وزيادة على ما طرحه دولوز، يمكن أن نجد بين نيتشه وفوكو تقاطعا مهما، فيما يخص نظرتهما معا إلى الحقيقة أو المعرفة.

المعرفة كإرادة قوة، والحقيقة كإرادة سلطة:

إن أهم ما يحسب لنيتشه، كونه طرح الحقيقة كقيمة للنقاش. فقبل نيتشه كانت الحقيقة تعتبر قيمة عليا، تنشد كل الخطابات (علمية-فلسفية-دينية...) بلوغها. إلا أن نيتشه كعادته ليس من عباد التماثيل والأصنام، ولذلك وقفت مطرقته لمفهوم أو قيمة الحقيقة "بالمرصاد". فنفذ "منقب الأعماق الجيد" –بعتبير فوكو-  إلى عمق، وبالأحرى إلى سطح الحقيقة، ليكشف أنها لا تعدو أن تكون إرادة سلطة. وبالأحرى إرادة قوة: "تسمون ما يحفزكم ويؤججكم أيها العظماء إرادة الحقيقة. وإني أسمي إرادتكم هذه إرادة جعل ما هو كائن قابلا للتصور (...) هذه هي إرادة القوة لديكم، أيها الحكماء العظماء"[36].

إن ما يوجه البحث عن المعرفة في نظر نيتشه، ليس هو الرغبة في الحكمة أو الحقيقة، بل إنها رغبة دفينة في الحصول على "النفع الحيوي"، الذي بموجبه يستمر الإنسان في الحياة. هي إذن رغبة لا عقلانية، يتدخل فيها ما هو غريزي، رغم ما تقوم به الحقيقة لاستبعاده ونفيه، أكثر من ذلك فقوة المعرفة بالنسبة لنيتشه، لا تقاس بمدى تعبيرها عن الحقيقة بقدرما أن معيارها هو مدى تجذرها في التاريخ الإنساني، وما تشكله من أهمية في المجتمع، وذلك بمقدار ما تحققه من نفع حيوي. يعتبر نيتشه الحقيقة "جمهرة من الاستعارات والكنايات ..."، التي لا تحمل في ذاتها معنى، إلا ما نسبغه عليها. وفي مقدمة كتابه"ما وراء الخير والشر"، يصور الحقيقة كامرأة، فشل الفلاسفة في فهم طبائعها، إنها امرأة تحبذ القوة، وتؤثر الهيمنة، ولا تبالي بشعارات الحكمة والحياد...، فنيتشه يدرك تمام الإدراك أن من يملك الحقيقة، فهو يملك زمام الأمور، ويغدو بالتالي سيد الكل.

في نفس الخط النيتشوي يسير فوكو. ليطور ويعمق فكرة نيتشه عن المعرفة، باعتبارها مرتبطة بإرادة القوة. إذ يؤكد فوكو أيضا، وعلى حد تعبيره "أن الحقيقة ليست خارج السلطة، وليست بدون سلطة". فهو يوضح كيف أن المعرفة متورطة في علاقات مشكوك فيها مع السلطة. ففي "تاريخ الجنون" مثلا يبرز كيف أن الطب النفسي والعقلي، كان وليد ملابسات تاريخية متشابكة، وأن الرحم التي رعته، لم تكن رحم حقوق الإنسان، والنظرة الإنسانية والعلمية، بقدر ما كانت "رحم إرادة السلطة".

المعرفة إذن وليدة الحاجة والتعطش، لكن لا التعطش إلى الحكمة وبلوغ الحقيقة، وإنما التعطش للسلطة، وفرض خطاباتها، وإقصاء ما عداها. وبذلك يخرق فوكو –وقبله نيتشه- قاعدة القول بنزاهة وحيادية المعرفة، ليستبدلها بقاعدة التداخل، شديد التعقيد، مع السلطة ومتطلباتها ومصالحها. "حتى ولو كان مدينا [فوكو] لهذين التراثين [المقصود التحليلان السوسيولوجي والماركسي للمعرفة]. وهما تراثان يعيد النظر فيهما، ويجدرهما بتأمله في نتاج نبتشه"[37]. نيتشه إذن كان من بين الذين فتحوا فوكو على آفاق جديدة للنظر في ترابط وتلازم السلطة (القوة) بالمعرفة (الحقيقة).

تفرض الحقيقة –كما يؤكد فوكو في نظام الخطاب- فرضا، ولها إجراءات متنوعة تسلكها في مهامها تلك. ومن بينها المنع (منع الخطاب حول السياسة والجنس...) والتقسيم (جدار فاصل بين خطاب الجنون وخطاب العقل، وبين الحقيقة والخطأ مثلا...). وكذلك السرديات الاجتماعية (الحكايات المتداولة في كل مجتمع...). وإجراءات أخرى عدة. وفي أحد حواراته حول علاقة الحقيقة بالسلطة[38]، يؤكد فوكو أن "الاقتصاد السياسي للحقيقة" في المجتمع الغربي، يتميز بخمس سمات.

فهي أولا: "متمركزة على شكل الخطاب العلمي ومؤسساته"،بتعبير فوكو، بمعنى أن الخطاب العلمي يحتكر سلطة النطق باسم الحقيقة، ويرغب في إقصاء باقي الخطابات (فلسفة، أدب...)، إنها "النزعة العلموية"، التي ترى أن العلم وحده يقول الحقيقة.

ثانيا: خضوع الحقيقة "للتحريض الاقتصادي والسياسي الدائم"، بتعبير فوكو، أي أن الحقيقة ليست كنزا مطمورا في تربة ما، يكتشف بالحدس أو الذكاء. إنها ليست تحصيلا بقدر ما هي إنتاج وصنع، يسهم فيه ما هو اقتصادي وما هو سياسي.

ثالثا: يتحكم في نشر واستهلاك الحقيقة، أجهزة إعلامية، ومؤسسات تربوية على نطاق واسع.

رابعا: يتم إنتاج الحقيقة تحت هيمنة كبريات الأجهزة والمؤسسات السياسية والاقتصادية، التي تشرف وتراقب هذا الإنتاج، من قبيل: الجامعات، الجيش، المختبرات...

خامسا: غدت الحقيقة مدارا ومحورا تنتظم حوله كل المناقشات السياسية، والصراعات الاجتماعية، فالأمر لا يتعلق، وعلى حد تعبير فوكو "بكفاح لصالح الحقيقة، بل حول مكانة وقيمة الحقيقة، وحول الدور الاقتصادي الذي تلعبه". فضلا عن ذلك فالحقيقة مرتبطة بأنساق السلطة، التي تنتجها وتدعمها، والآثار التي تولدها، وتسوسها. وهو ما يعبر عنه فوكو ب"نظام الحقيقة".

 وفوكو في عمله هذا لا يرغب في استبدال الحقائق بأخرى، ذلك أن أمرا من هذا القبيل لن يفلت من قبضة السلطة، لأن "الحقيقة هي ذاتها سلطة"، كما يقول فوكو. وإنما كانت مهمته أن يهز الأرض الصلبة التي كانت تقف عليها الحقيقة، وكشف كل ما تتقنع به من نزاهة وحيادية. وبالتالي إيضاح أن الحقيقة تضرب بجذورها في أعماق تربة السلطة، أو أن هذه الأخيرة هي التي تتجذر في الحقيقة. (فكلاهما صحيح). إن ما أراد القيام به وعلى حد تعبيره هو "إعادة النظر في إرادتنا للحقيقة، إعادة طابع الحدث للخطاب، وأخيرا رفع سيادة الدال"[39].

أسقط نيتشه، إلى جانبه فوكو، الحقيقة من برجها العاجي الميتافيزيقي. لقد أظهروا لنا أنها متجذرة في التاريخ البشري. لا تنفصل عن إرادة القوة، ولا عن إرادة السلطة. إلى جانب ما ذكرناه، يمكن أن نجد تقاطعات بين نيتشه وفوكو، في فكرة موت الإنسان، ولكن بأي معنى؟

IV. موت الإنسان بين نيتشه وفوكو:

يعتبر كتاب "الكلمات والأشياء" لفوكو، من بين أهم مؤلفاته، وفيه يطرح فكرة "موت الإنسان" –التي ترددت مع البنيوية- والتي أثارت مجموعة من الإشكالات، وجلبت عليه انتقادات جمة- خصوصا من دعاة حقوق الإنسان-. وسنحاول أن نلقي الضوء على هاته الفكرة، باعتبارها كما يؤكد دولوز وفوكو نفسه، نقطة التقاء بين فيلسوف المطرقة، وفيلسوف الابستيمية (فوكو).

يرى فوكو،وعلى حد تعبير دولوز "أن الحياة والعمل واللغة تنبثق أول الأمر كقوى متناهية خارجية بالنسبة للإنسان، تفرض عليه تاريخا، لها، وفي مرحلة ثانية يمتلك الإنسان هذا التاريخ ويجعل من تناهيه أساسا له"[40]. ركز فوكو إذن على ثلاثة حقول أساسية بالنسبة للإنسان.منها ما له ارتباط بما هو اجتماعي (العمل). ومنها ما هو فردي (الحياة). ومنها ما يتعلق بالتواصل (اللغة)، باعتبار أن هذه الميادين هي التي تم التركيز عليها في القرن التاسع عشر، الذي شهد ولادة العلوم الإنسانية، أي عصر الإنسان –كما يقول فوكو- ،هذا العصر الذي مثل تعطش الإنسان الغربي لمعرفة كل ما يتعلق بالإنسان. والذي مات فيه الإنسان أيضا. ولكن كيف تحل هاته المفارقة؟

يؤكد فوكو في أحد حواراته، أن الإيمان "بالمعنى"، أي بحرية الإنسان، وسيادته على ذاته وقدراته، لم يعد مستاغا، فالمعنى كما يقول "لم يكن على وجه الاحتمال، سوى نتيجة سطحية أو لمعان أو زبد، وأن مل يخترقنا في العمق، ما يوجد قبلنا وما يسندنا في الزمان والمكان، كما هو النسق"[41]. ولكن ماذا يعني هذا؟

يريد فوكو أن يقول، إن الإنسان الذي تم البحث عنه، بكل تعطش، خلال القرن التاسع عشر، قد تبخر واختفى. ذلك أن هذا القرن –وحسب فوكو- كان قرن الاختراعات الكبرى، وأهمها اختراع العلوم الإنسانية. ومعنى ذلك، على حد تعبير فوكو "جعل الإنسان موضوعا لمعرفة ممكنة". انبثقت هاته المعرفة من رغبة وأمل في التعرف على الإنسان أكثر فأكثر. في جانبه النفسي والاجتماعي واللساني خاصة.

لقد رصدت كل "الترسانة المعرفية والعلمية" –إن صح التعبير- من أجل اختراق الإنسان في أدق تفاصيله وجزئياته، البيولوجية والاجتماعية والنفسية والأنتروبولوجية واللسانية أيضا. بما يعمق معرفة الغرب بالإنسان. وبما يجعل معرفته بنفسه أوسع، وإذا عرف الإنسان نفسه، كان أقدر على قيادتها والسيادة عليها. وامتلاك زمام الأمور فيها. من هنا تؤكد أركيولوجيا فوكو، أن الإنسان كان وليد واختراع القرن التاسع عشر (أي حين أصبح أداة وموضوع المعرفة في ذات الوقت). وبالرغم من كل ذلك "لم يتم العثور أبدا على هذا الإنسان الشهير أو هذه الطبيعة البشرية، أو هذه الماهية الإنسانية"[42]. إذن ما الذي تم العثور عليه؟ يجيبنا فوكو أنه تم إيجاد البنيات في المجال الأنتروبولوجي (مع شتراوس)، وفي المجال اللساني (مع رولان بارت)، وفي المجال النفسي، وجد اللاوعي (مع جاك لاكان). ومع فوكو نفسه وجد ما يسميه ب "لاوعي المعرفة". أي أن تطور المعارف ليس غائيا متصلا يحكمه العقل، بل إنه يخضع لنظم وقواعد تجهلها تلك المعارف نفسها.

ما يشكل أساس الإنسان هو اللاوعي (اللاشعور عند فرويد)، وهو البنيات، وتعني البنية[43]، نسقا من العلاقات الباطنية، وتتسم بكونها تجريدية أكثر منها تجسيدا. وتظهر في آثارها أكثر مما تظهر في ذاتها، أضف إلى ذلك أنها تنحو نحو الثبات أكثر مما تتسم بالحركة، وأخيرا فهي تؤشر إلى غياب الذات الفاعلة، إذ يصعب تحديد خالقها أو منتجها.وبدل الحديث عن البنية يفضل فوكو استعمال مصطلح النسق، الذي يعرفه على حد تعبيره، على أنه "مجموعة من العلاقات التي تثبت وتتغير في استقلال عن الأشياء التي تربط بينها". إن الإنسان إذن ليس سيد نفسه، ولا مالك ذاته، إنه ريشة في مهب الرياح، رياح البنيات والأنساق واللاوعي واللاشعور. فهو خاضع لمجموعة من القوالب التي تسهم في تشكيله وبلورته، والتي يبلورمنها في لحظة ثانية تاريخا له. فعلى خلاف العصر الكلاسيكي (ق16وق17) –بتعبير فوكو- الذي تم فيه تصور الإنسان من خلال القوى اللامتناهية، التي تشكل قنطرة من أجل تصور وإدراك اللامتناهي (أي الله). على خلاف ذلك كان القرن التاسع عشر عصر الحداثة، الذي يبتدئ –حسب فوكو- مع فكرة أن الإنسان هو سيد لأنه بالضبط عبد، "يحل الله بموجب تناهيه بالذات". ويطلق فوكو على هاته الفكرة تسمية "تحليلية التناهي".

اعتبرت الحياة والعمل واللغة، قوى متناهية، عملت علوم البيولوجيا والاقتصاد واللسانيات على كشفها وفحصها، وظهر أنه "ليست هذه القوى الغامضة، أي قوى التناهي إنسانية، بل ترتبط بقوى الإنسان من أجل تقليصه في تناهيه الخاص، وإشاعة تاريخ فيه، يجعل منه الإنسان في لحظة ثانية تاريخا له"[44].

إن هاته القوى أو المواضيع الخارجية المتناهية، المحكومة بمنطق غريب عن الإنسان، وببنيات وأنساق يجدها الإنسان جاهزة، وتتدخل في تكوينه، وبحكم ارتباطه بها، فذلك يجعل منه كائنا متناهيا. 1. إنه كائن تسمه روزمانة (زمرة) من التناقضات، تحاول تحليلية التناهي[45] الفوكوية كشفها، إذ تسعى إلى إثبات أن الإنسان قابل لممارسة التحليل التجريبي، ويستعلي عليه. 2. إنه غامض يتضمن لا مفكرا به، وكوجيطو جلي. 3.إنه نتاج تاريخ طويل، وهو أصل هذا التاريخ في نفس الوقت. بعبارة أخرى إن دراسة الإنسان أمر معقد، يصطدم بمجموعة من الحواجز، فتطبيق المناهج التجريبية على الإنسان يظل قاصرا عن فهمه وإدراكه، لأنه يستعصي على التجريب، ويبدو الإنسان وكأنه واضح (مرآة شفافة) –الكوجيتو بتعبير ديكارتي- ولكن يدخل اللامفكر به –بتعبير فوكو- في الخط (إن صح التعبير)، ليفسد كل ما كان الإنسان يعرفه عن نفسه (اللاشعور مثلا)، وحين يتجرأ الإنسان ويرغب في البحث عن أصل كينونته، فإنه يقف عاجزا وتخيب كل آماله صعوبة تحديد أصل اللغة مثلا)، فكما يقول فوكو "لكي يفهم الإنسان كينونته، عليه أن يمسك بأصله، ومع هذا فهو يفلت منه حتما". لهذا نفهم لماذا قال فوكو بأن أبحاث العلوم الإنسانية لا تسعى إلى محو "الصورة التقليدية التي سبق أن كونها عن الإنسان فحسب، بل تهدف كلها –في رأيي- إلى جعل فكرة الإنسان ذاتها فكرة غير مجدية، وذلك على مستوى البحث والتفكير، وإن أثقل ميراث تحدر إلينا من القرن التاسع عشر- وهو ميراث آن الأوان للتخلص منه- هو النزعة الإنسانية"[46].

يدعونا فوكو إذن إلى القطع مع التصور الكلاسيكي للإنسان، الذي حدثتنا عنه الفلسفات والديان. فالإنسان كحيوان ناطق، أو ككائن واع، وكإرادة حرة، له ماهيته التابثة، وجوهره الخالص، أو كشيء في ذاته. كل هذا تبخر –في نظر فوكو- مع القرن التاسع عشر. حين أثبتت العلوم الإنسانية، الوجه الحقيقي للإنسان- الذي كان إلى أمد بعيد خفيا ومجهولا عنا- إنه وجه البنيات والنسق واللاوعي والاشعور والسلطة أيضا. وهكذا أصيب الإنسان في أعز ما يملك: الحرية والعقل والاستقلال والتسامي عن باقي الكائنات... فوكو إذن ينعي لنا الإنسان!

يرى دولوز أن قصة موت الإنسان هي "قصة نيتشوية"، وفي نظره أننا "نحرف نيتشه عن مقصده حين نجعل منه فيلسوف موت الله"[47]. فموت الإله قد أعلنه قبله الفيلسوف الألماني لدفيج فيورباخ، الذي اعتبر أن الإله ما هو إلا اختراع إنساني،تم حين أضفى الإنسان كل صفاته من قوة وعلم وقدرة..على الإله. وقد أبرز فكرته هاته في كتابه الشهير "أصل الدين".

ولكن كيف يكون "موت الإنسان" قصة نيتشوية؟ يجيبنا دولوز قائلا: إنه"طالما أن الله موجود، أي طالما أن الشكل –الله يشتغل، فالإنسان لم يوجد بعد، أما عندما يظهر الشكل-الإنسان فإن ذلك لا يتم إلا بفهم سابق لموت الإنسان"[48]. يعني ذلك أن الإنسان حين كان يعتبر الإله موجودا، فهو (أي الإنسان) لم يكن موجودا، ذلك أنه كان رهينا بذلك الإله، في قدراته وملكاته وأفعاله، إنه إن كان موجودا فهو موجود لأجل ذلك الإله. من أجل عبادته وطاعته، أي أنه يستمد مشروعية وجوده من الإله، وبقدرما يعمل من أجل إرضائه، ولكن ما أن يرغب(أي الإنسان) في الوجود وفي أن تتحقق له كينونته، والانفصال عن الإله، إلا ويكون من اللازم عليه أن يدرك موته واختفاءه. إنه الموت المتضمن في موت الإله، أي فقدان الإنسان لركيزة وأساس وجوده.

إن زرادشت حين أعلن موت الإله، لم تكن هاته هي غايته فحسب، بل إنه أراد أيضا أن يسحب البساط من الإنسان، أن يتركه بدون أساسه، وينزع عنه ما يشكل ماهيته ووجوده، إن نيتشه كان يرغب في قتل الإنسان وإماتته، طمعا في الوصول إلى الإنسان الأعلى. وهذا ما يؤكده أيضا فوكو نفسه إذ يقول: "إذا كان نيتشه هو الذي أشهر موت الإله، فإنه هو الذي أشهر في الوقت ذاته ذلك الإنسان المؤله، الذي لم يكف القرن التاسع عشر عن الحلم به قط. وعندما يبشر نيتشه بمقدم الإنسان الأعلى، فإن ما يبشر به ليس مقدم إنسان أشبه بالله منه بالإنسان، وإنما مقدم إنسان لا علاقة له البتة بذلك الإله الذي ما زال يحمل صورته"[49].

ففيلسوف الأعماق يرفض تأليه الإنسان، والنزعة الإنسانية التي سادت في عصر الحداثة، لأنه لا يرى فيها إلا وجها جديدا للعدمية ، أي للحط من قدر ومن قيمة الحياة، باسم الإنسان وشعارات الليبرالية والتقدم والديموقراطية... إلخ.

وفي رأي نيتشه أن الإنسان الأعلى وحده القادر على أن يطلق سراح الحياة من أسر الإنسان ذاته لها. "ولعل فوكو أيضا كان يعتقد أنه ينبغي إماتة الإنسان لإيجاد الإنسان الأعلى"[50]. وهو في منظور فوكو (أي هذا الإنسان الأسمى) وعلى حد تعبير دولوز "أقل من أن يكون اختفاء وأفولا للناس الموجودين، وأكثر كثيرا من انقلاب في تصور الإنسان، انه بزوغ شكل جديد غير الله وغير الإنسان، وثمة أمل في ألا يكون أسوأ من الشكلين السابقين"[51].

هكذا يلتقي مرة أخرى فوكو ونيتشه، في القول بموت الإنسان. ومعه النزعة الإنسانية، ليدخلا بذلك بوابة ما بعد الحداثة ، التي أظهرت أن شعارات الحداثة والنزعة الإنسانية، لم تكن إلا تمويها، أرادت أن تخلق نموذجا واحدا، وبضاعة موحدة، يستهلكها الكل، وعلى خلاف ذلك عملت فلسفة ما بعد الحداثة مع ليوتار، دولوز، فوكو، دريدا، فاتيمو... على ترسيخ عقلية الاختلاف والتقبل، واحترام الخصوصيات والثقافات.

أضف إلى ذلك أن نيتشه و"الما بعد حداثيين"، يقدرون الفن والإبداع، وكل ما يعبر عن الفرح، ويخرج الإنسان من جفاف وصلابة العقلية التقنوية والاقتصادوية، اللتان تحيلان الحياة إلى مجرد حسابات و أسهم تتأرجح بين النزول و الصعود.

إن الفن يشكل في كل فلسفات ما بعد الحداثة حجر الزاوية. إذ الفيلسوف الما بعد حداثي ينظر إلى الفن على أنه البوابة التي يدخل معها المرء عالما، ملؤه السعادة والفرح، والاحتفاء بالجسد والعاطفة. وأكثر من ذلك ينظر حتى إلى الألم ولحظات البؤس، نظرة فنية، تتيح له تجاوز وبالأحرى التغافل عنها. فوحده الإنسان العادي يعيش اليومي، بينما يرتفع به الفيلسوف ليخلق منه لحظات متعة وتلذذ ممزوجة بالتأمل والحكمة. نوسان وتأرجح الفيلسوف بين اليومي والتأملي، وبين الواقع والمثال قد يكون "سببا في صمت الفيلسوف، أو في جنونه الهادئ الذي يعلن عن ميلاد نشيد مقدس احتفالا بالفن"[52].

هذا النشيد المقدس للفن نجد تجلياته مع فيلسوف الأعماق نيتشه، الذي ظل يرى في الفن ورقة رابحة، يمكن بها استعادة جمال الحياة وسعادة الوجود، وفتح آفاق لمجيء الإنسان الأعلى. يقول نيتشه: "على مدى سنين طويلة علمنا الفن أن ننظر إلى الحياة وإلى شكل من أشكالها بمتعة وسعادة، وأن نستدرج أحاسيسنا إلى الحد الذي نصرخ فيه: أيا تكن هذه الحياة فهي جميلة". هذا الجمال الذي يصنعه الفن هو ما يدعونا فوكو أيضا إليه، ذلك بأن لا يظل الفن مقتصرا على الفنانين والمتخصصين، بل أن ننتقل إلى شيء يسميه فن العيش,وفي هذا الصدد يقول: "ألا يمكن لحياة كل فرد أن تكون عملا فنيا"[53]. يريدنا فوكو على غرار نيتشه أن نجعل من "الفن حياة، ومن الحياة فنا"

الهوامش :

1.      نيتشه، العلم والجذل، ترجمة سعاد حرب، دار المنتخب العربي لدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط1، (2001)، ص. 108.

2.      فريدريك نيتشه، الفلسفة في العصر المأساوي الإغرقي، تعريب د. سهيل القش، تقديم، ميشيل فوكو، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط.3، 2005، بيروت، لبنان، ص. 13.

3.      نفسه، ص. 12.
4.      فريدريك نيتشه، جينيالوجيا الأخلاق، ترجمة وتقديم، محمد الناجي، أفريقا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 2006، ص.
5.      فوكو، جينيالوجيا المعرفة، ترجمة أحمد السطاتي/عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، ط1، 1988، ص. 53.
6.      نفسه، ص. 51.
7.      نفسه، ص. 57.
8.      نفسه، ص. 64.
9.      حوار فوكو مع هوبير دريفوس، وبول رابيناور "بصدد نسابة الأخلاق"، ص-ص. 77-102، مجلة بيت الحكمة، عدد1، سنة 1، دار قرطبة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، 1أبريل 1986، ط.3 ص. 87.
10.  نفسه، ص. 87.
11.  فوكو، جينيالوجيا المعرفة، م. س. ص. 70.
12.  نفسه، ص. 71.
13.  جان لاكروا، دلالة الجنون في فكر ميشيل فوكو، ص(85-92)، مقتطف من كتاب ميشيل فوكو: نظام الخطاب ، ترجمة محمد سبيلا، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط1، 1984، (ص 88-89) بتصرف.
14.  عزيز الحدادي، للأشياء رائحتها، لقاء الفيلسوف بالرسام، منشورات ما بعد الحداثة، فاس، ط1، 2007، ص. 74.
15.  جيل دولوز، نيتشه،، تعريب أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط1، 1998، ص. 17
16.  نفسه، ص. 129.
17.  عزيز الحدادي، للأشياء رائحتها، م.س. ص. 76.
18.  ميشيل فوكو، نظام الخطاب، م.س. ص. 16.
19.  إديث كيرزويل، عصر البنيوية من ليفي شتراوس إلى فوكو، ترجمة جابر عصفور، دار قرطبة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، ط2، ماي 1986، ص. 213.
20.  أوبيرينوس، ميشيل فوكو: مسيرة فلسفية، ترجمة جورج أبي صالح، منشورات مركز الإنماء القومي، بيروت، لبنان، ص. 14.
21.  إديث كيرزويل، عصر البنيوية من لفي شتراوس إلى فوكو، م.س. ص. 215.
22.  جان لاكروا، دلالة الجنون في فكر ميشيل فوكو، م.س. ص. 92.
23.  عزيز الحدادي، للأشياء رائحتها، م.س. ص. 78.
24.  جان لاكروا، دلالة الجنون في فكر ميشيل فوكو، م.س. ص. 91.
25.  حوار فوكو مع برنار هنري لفي، بعنوان :لا لسيطرة الجنس"، ترجمة مصطفى كمال (ص-ص. 61-76)، مجلة الحكمة، م.س. ص. 69.
26.  جيل دولوز، المعرفة والسلطة، مدخل لقراءة فوكو، ترجمة سالم يفوت، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1987، ص. 31.
27.  جيل دولوز، المعرفة والسلطة، م.س. ص-ص. 31-33، بتصرف.
28.  فوكو، نظام الخطاب، م.س. ص. 74.
29.  فوكو، جينيالوجيا المعرفة، م.س. ص. 78.
30.  جيل دولوز، المعرفة والسلطة، م.س. ص. 77.
31.  جيل دولوز، نيتشه والفلسفة، ترجمة أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط2، 2001، ص. 66.
32.  ميشيل فوكو، مسيرة فلسفية، م.س. ص. 123.
33.  نفسه، ص. 126.
34.  نفسه، ص-ص. 123-126. بتصرف.
35.  نفسه، ص. 78.
36.  فريدريك نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، ترجمة وتقديم محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2006، ص. 104.
37.  أوبيردريفوس، بول رابينوف، ميشيل فوكو: مسيرة فلسفية، م.س.، ص106.
38.  فوكو، نظام الخطاب، ص-ص. 81-83، م.س.، بتصرف.
39.  ميشيل فوكو، نظام الخطاب، م.س. ص. 34.
40.  جيل دولوز، المعرفة والسلطة، م.س. هامش 23، ص. 96.
41.  الحوار –المعركة، مجلة الحكمة، م.س.، ص.6.
42.  الحوار – المعركة، ص-ص. 5-25، ترجمة مصطفى كمال، مجلة الحكمة، م.س.، ص. 19.
43.  إديث كيرزوبل، عصر البنيوية، م.س.، ص-ص. 289-290، بتصرف.
44.  جيل دولوز، المعرفة والسلطة، م.س.، ص-ص. 95-96.
45.  ميشيل فوكو، مسيرة فلسفية، م.س. ص. 33، بتصرف.
46.  الحوار-المعركة، مجلة الحكمة، م.س.ص. 8.
47.  المعرفة والسلطة، م.س. ص. 144.
48.  نفسه، ص. 145.
49.  مجلة الحكمة، م.س. ص. 20.
50.  وهذا ما يؤكده جان لاكروا في مقالته: دلالة الجنون في فكر ميشيل فوكو، م.س. ص. 92.
51.  جيل دولوز، المعرفة والسلطة، م.س. ص. 147.
52.  عزيز الحدادي، للأشياء رائحتها، م.س. ص. 10.
53.  بصدد نسابة الأخلاق، حوار هوبيردريفوس وبول رابيناو مع فوكو، -ص-ص. 77-102)، مجلة الحكمة، م.س. ص. 86.


لائحة المصادر و المراجع :


- فريديريك نيتشه، العلم والجذل، ترجمة سعاد حرب، دار المنتخب العربي لدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط1، (2001.

-فريدريك نيتشه، الفلسفة في العصر المأساوي الإغرقي، تعريب د. سهيل القش، تقديم، ميشيل فوكو، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط.3، 2005، بيروت، لبنان .

 فريدريك نيتشه، جينيالوجيا الأخلاق، ترجمة وتقديم، محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 2006.

- فوكو، جينيالوجيا المعرفة، ترجمة أحمد السطاتي/عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، ط1، 1988.

- مجلة بيت الحكمة، عدد1، سنة 1، دار قرطبة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، 1أبريل 1986، ط 3.
- ميشيل فوكو: نظام الخطاب ، ترجمة محمد سبيلا، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط1، 1984.
- عزيز الحدادي، للأشياء رائحتها، لقاء الفيلسوف بالرسام، منشورات ما بعد الحداثة، فاس، ط1، 2007.
- جيل دولوز، نيتشه،، تعريب أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط1، 1998.
- إديث كيرزويل، عصر البنيوية من ليفي شتراوس إلى فوكو، ترجمة جابر عصفور، دار قرطبة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، ط2، ماي 1986.

- أوبيرينوس، ميشيل فوكو: مسيرة فلسفية، ترجمة جورج أبي صالح، منشورات مركز الإنماء القومي، بيروت، لبنان، ص.

- جيل دولوز، المعرفة والسلطة، مدخل لقراءة فوكو، ترجمة سالم يفوت، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1987.

[1] - جيل دولوز، نيتشه والفلسفة، ترجمة أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط2، 2001.

[1]. نيتشه، العلم والجذل، ترجمة سعاد حرب، دار المنتخب العربي لدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط1، (2001)، ص. 108.
[2]. فريدريك نيتشه، الفلسفة في العصر المأساوي الإغرقي، تعريب د. سهيل القش، تقديم، ميشيل فوكو، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط.3، 2005، بيروت، لبنان، ص. 13.
[3]. نفسه، ص. 12.
[4]. فريدريك نيتشه، جينيالوجيا الأخلاق، ترجمة وتقديم، محمد الناجي، أفريقا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 2006، ص. 11.
[5]. فوكو، جينيالوجيا المعرفة، ترجمة أحمد السطاتي/عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، ط1، 1988، ص. 53.
[6]. نفسه، ص. 51.
[7]. نفسه، ص. 57.
[8]. نفسه، ص. 64.
[9]. حوار فوكو مع هوبير دريفوس، وبول رابيناور "بصدد نسابة الأخلاق"، ص-ص. 77-102، مجلة بيت الحكمة، عدد1، سنة 1، دار قرطبة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، 1أبريل 1986، ط.3 ص. 87.
[10]. نفسه، ص. 87.
[11]. فوكو، جينيالوجيا المعرفة، م. س. ص. 70.
[12]. نفسه، ص. 71.
[13]. جان لاكروا، دلالة الجنون في فكر ميشيل فوكو، ص(85-92)، مقتطف من كتاب ميشيل فوكو: نظام الخطاب ، ترجمة محمد سبيلا، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط1، 1984، (ص 88-89) بتصرف.
[14]. عزيز الحدادي، للأشياء رائحتها، لقاء الفيلسوف بالرسام، منشورات ما بعد الحداثة، فاس، ط1، 2007، ص. 74.
[15]. جيل دولوز، نيتشه،، تعريب أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط1، 1998، ص. 17.
[16]. نفسه، ص. 129.
[17]. عزيز الحدادي، للأشياء رائحتها، م.س. ص. 76.
[18]. ميشيل فوكو، نظام الخطاب، م.س. ص. 16.
[19]. إديث كيرزويل، عصر البنيوية من ليفي شتراوس إلى فوكو، ترجمة جابر عصفور، دار قرطبة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، ط2، ماي 1986، ص. 213.
[20]. أوبيرينوس، ميشيل فوكو: مسيرة فلسفية، ترجمة جورج أبي صالح، منشورات مركز الإنماء القومي، بيروت، لبنان، ص. 14.
[21]. إديث كيرزويل، عصر البنيوية من لفي شتراوس إلى فوكو، م.س. ص. 215.
[22]. جان لاكروا، دلالة الجنون في فكر ميشيل فوكو، م.س. ص. 92.
[23]. عزيز الحدادي، للأشياء رائحتها، م.س. ص. 78.
[24]. جان لاكروا، دلالة الجنون في فكر ميشيل فوكو، م.س. ص. 91.
[25]. حوار فوكو مع برنار هنري لفي، بعنوان :لا لسيطرة الجنس"، ترجمة مصطفى كمال (ص-ص. 61-76)، مجلة الحكمة، م.س. ص. 69.
[26]. جيل دولوز، المعرفة والسلطة، مدخل لقراءة فوكو، ترجمة سالم يفوت، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1987، ص. 31.
[27]. جيل دولوز، المعرفة والسلطة، م.س. ص-ص. 31-33، بتصرف.
[28]. فوكو، نظام الخطاب، م.س. ص. 74.
[29]. فوكو، جينيالوجيا المعرفة، م.س. ص. 78.
[30]. جيل دولوز، المعرفة والسلطة، م.س. ص. 77.
[31]. جيل دولوز، نيتشه والفلسفة، ترجمة أسامة الحاج، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط2، 2001، ص. 66.
[32]. ميشيل فوكو، مسيرة فلسفية، م.س. ص. 123.
[33]. نفسه، ص. 126.
[34]. نفسه، ص-ص. 123-126. بتصرف.
[35]. نفسه، ص. 78.
[36]. فريدريك نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، ترجمة وتقديم محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2006، ص. 104.
[37]. أوبيردريخوس، بول رابينوف، ميشيل فوكو: مسيرة فلسفية، م.س.، ص106.
[38]. فوكو، نظام الخطاب، ص-ص. 81-83، م.س.، بتصرف.
[39]. ميشيل فوكو، نظام الخطاب، م.س. ص. 34.
[40]. جيل دولوز، المعرفة والسلطة، م.س. هامش 23، ص. 96.
[41]. الحوار –المعركة، مجلة الحكمة، م.س.، ص.6.
[42]. الحوار – المعركة، ص-ص. 5-25، ترجمة مصطفى كمال، مجلة الحكمة، م.س.، ص. 19.
[43]. إديث كيرزوبل، عصر البنيوية، م.س.، ص-ص. 289-290، بتصرف.
[44]. جيل دولوز، المعرفة والسلطة، م.س.، ص-ص. 95-96.
[45]. ميشيل فوكو، مسيرة فلسفية، م.س. ص. 33، بتصرف.
[46]. الحوار-المعركة، مجلة الحكمة، م.س.ص. 8.
[47]. المعرفة والسلطة، م.س. ص. 144.
[48]. نفسه، ص. 145.
[49]. مجلة الحكمة، م.س. ص. 20.
[50]. وهذا ما يؤكده جان لاكروا في مقالته: دلالة الجنون في فكر ميشيل فوكو، م.س. ص. 92.
[51]. جيل دولوز، المعرفة والسلطة، م.س. ص. 147.
[52]. عزيز الحدادي، للأشياء رائحتها، م.س. ص. 10.
[53]. بصدد نسابة الأخلاق، حوار هوبيردريفوس وبول رابيناو مع فوكو، -ص-ص. 77-102)، مجلة الحكمة، م.س. ص. 86.